وهم في ذلك ملتزمون قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) (التوبة: 36) ، ويصبح قتال الحربيين واجبًا على المسلمين ثَمَّ، لتحقق الاستطاعة، وتبقى دار المعتدين بالنسبة لهؤلاء المسلمين دار حرب مباحة إلى حين إنشاء صلح جديد.
قال تعالى: (فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا) (النساء: 91) .
ويصبح ما تحت يد المسلمين من دار الإسلام، إن أظهروا فيه شعائر الدين وأقاموا أحكامه، بإجماع الفقهاء.
يحتوي هذا المطلب على ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: هل الكافر طاهر الذات أم نجس الذات؟
الفرع الأول: هل الكافر نجس؟
الأصل في ذلك قوله تعالى: (إنما المشركون نجس) (التوبة: 28) .
فما المراد بالشرك؟ وما المراد بالنجاسة هنا؟
اختلف الفقهاء في المشرك على فريقين:
الأول: وهم الجمهور، قالوا: المراد بالمشرك في الآية هو: كل عابد وثن أو صنم. قال الإمام مالك: ولكن يُقاس عليه جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم.
الثاني: وهو مذهب الشافعي، أن الآية عامة في جميع الكفار، وهو قول ابن عمر وجابر بن عبد الله من الصحابة رضوان الله عليهم، ونصره ابن حزم الظاهري (89) .
وأما النجاسة، فقد ذهبت جماهير العلماء إلى أن المقصود بقوله تعالى: (نجس) ، إنما هي النجاسة المعنوية، أي نجس في الاعتقاد، والدين، أو أنهم أشرار خبثاء، أو اي من باب التشبيه البليغ (90) .
وذهب الإمام مالك (91) ، والرازي (92) ، والألوسي (93) ، وأهل الظاهر (94) ، إلى أن الكافر (كل كافر) نجس العين.
وأرى أن ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح، لما يلي:
أولًا: إباحة الله نكاح الكتابيات للمسلمين، ومعلوم أن ملامستهن وعرقهن لا يسلم منه أزواجهن، وكذا أثاث المنزل ولباس الزوج وغيره. ومع ذلك لم يوجب الشرع من غسلٍ إلا ما أوجبه من غسل من كانت تحته مسلمة.
ثانيًا: إباحة طعام أهل الكفر قاطبة إلا الذبائح، فإنها مقتصرة على أهل الكتاب، ومعلوم أن الطعام لا يسلم من مسهم ومعالجتهم إياه، فلو كانت أعيانهم نجسة حسية للزم منه أن ينجس كل ما يلمسونه، ولاستحال طعامهم إلى خبيث مستقذر فيحرم.
وقد قال تعالى: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) (الأعراف: 157) .
وقد صح أن النبي صلى الله عليه و سلم أكل طعامهم، واستعمل أوانيهم، وقبل هداياهم (95) ، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه استعملوا مزادة امرأة مشركة (96) .
فالحديث يدل على طهارة المشرك، لأن المرأة قد باشرت المزادة، وقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه توضأ من بيت نصرانية، وقيل من جرة، بدل بيت (97) . وكذلك فإن حذيفة استسقى فسقاه مجوسي (98) .
ثالثًا: لو صحت نجاستهم لاستفاض بين الصحابة نقل ذلك. والعادة في مثل ذلك تقضي بالاستفاضة، فإذا علمنا هذا، قلت: لم يصح -مما وقفت عليه- عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن صحابته خبر واحد من القول بنجاسة المشركين، على المعنى الذي قال به الإمام مالك ومن وافقه.
نخلص من هذا كله إلى أن الكافر طاهر العين والبدن (إن لم تكن عليه نجاسة حسية) ، نجس في الاعتقاد والدين، وقد ورد في ذلك إجماع (99) .
ويترتب على ذلك:
أولًا: طهارة سؤره، وهو الماء الذي يبقيه الشارب في الإناء، وجمعها (أسآر) .
ثانيًا: طهارة ثيابه وما ينسجه.
الفرع الثاني: هل على الكافر إذا أسلم من غسل؟
الأصل في ذلك أمر النبي صلى الله عليه و سلم لثمامة بن أثال عندما أسلم أن يغتسل (100) .
وكذلك ما رواه قيس بن عاصم عن أبيه: أنه أسلم، فأمره النبي صلى الله عليه و سلم أن يغتسل بماء وسدر (101) .
الفرع الثالث: هل يجب الختان على من أسلم؟
الختان: هو قطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة عند الرجال.
والحكمة في ذلك لئلا يجتمع فيها الوسخ، وليتمكّن من الاستنزاه من البول (102) .
حكمه: ذهب الجمهور إلى أن الختان سنة وليس بواجب، لعدم ورود دليل في ذلك يدل على وجوبه، وهو المشهور وعليه العمل (103) ، لقول النبي صلى الله عليه و سلم: (الفطرة(104) خمس: وذكر منها الختان) (105) .
وذهب الشافعي إلى القول بوجوبه على الرجال (106) والنساء (107) جميعًا.
وذهب الحنابلة (108) إلى القول بوجوبه في حق الرجال دون النساء، فإنه في حقهن مكرمة، وقالوا: وهو من شعار المسلمين فكان واجبًا.
واستدلوا بما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لواثلة بن الأسقع لما أسلم: (ألقِ عنك شعر الكفر، واختتن) (109) .
وسئل أحمد عن الكافر إذا أسلم: ترى له أن يطهر بالختان؟ قال: لابد له من ذلك. قلت (القول للسائل) : إن كان كبيرًا؟ قال: أحب إليّ أن يتطهر، لأن النبي صلى الله عليه و سلم أخبرنا أن إبراهيم عليه السلام اختتن بعد ثمانين سنة (110) .
وهو قول الأوزاعي وربيعة الرأي، واللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية (111) .
المسألة الثانية: هل الخمر طاهرة أم نجسة؟