عن عبيد اللَّه بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة ، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج ، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس ، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم ، وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم ( [8] ) .
وجه الدلالة: أن عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه لم ينكر على من صلى الجمعة خلف إمام الفتنة ، مع أن هذا الإمام صلى بدون إذن الإمام الأعظم وهو عثمان ابن عفان ، مما يدل على عدم وجوب إذن الإمام في إقامة الجمعة .
الدليل الثاني:
أن عليًا صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد وصوب ذلك عثمان وأمر بالصلاة معهم ( [9] ) .
وجه الدلالة: أن صلاة علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه الجمعة بالناس وعثمان رضي اللَّه عنه محصور دليل على جواز صلاة الجمعة بدون إذن الإمام.
الدليل الثالث:
أن صلاة الجمعة من فرائض الأعيان فلم يشترط لها إذن الإمام كالظهر ( [10] ) .
الدليل الرابع:
أن صلاة الجمعة صلاة تشبه سائر الصلوات فتكون مثلها في عدم اشتراط إذن الإمام فيها ( [11] ) .
دليل القول الثاني:
أنه لا يقيم صلاة الجمعة إلا الأئمة في كل عصر فصار ذلك إجماعًا على عدم جواز إقامتها بدون إذن الإمام ( [12] ) .
نوقش: أن ما ذكرتموه من الإجماع لا يصح لأن الناس يقيمون الجُمُعات في القرى من غير استئذان أحد ، ثم لو صح أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعًا على جواز ما وقع لا على تحريم غيره . كالحج يتولاه الأئمة وليس بشرط فيه ( [13] ) .
أما القول الثالث فلم أجد له أدلة خاصة به.
الترجيح:
بعد النظر في هذه المسألة ومعرفة الأقوال الواردة فيها والاطلاع على أدلتها ومناقشة ما يحتاج إلى مناقشة منها تبين لي - واللَّه أعلم بالصواب - أن القول الراجح هو القول الأول وهو أنه لا يشترط إذن الإمام في صحة إقامة صلاة الجمعة . وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولضعف دليل القول الثاني وعدم سلامته من المناقشة . ولتعذر إمكانيته خاصة على أولئك المغتربين من المسلمين الذين يقيمون في بلاد الكفار ، فلا يمكنهم الحصول على إذن إمام البلد الذي يقيمون فيه ، ولو استطاعوا الحصول على إذنه فإنه يستطيع منعهم إقامتها برجوعه عن إذنه فيها في أي وقت ، وبالتالي يُحرم المسلمون المقيمون في تلك البلاد من إقامة الجمعةإلا بإذن إمام البلد الكافر وهذا بعيد لأن فيه جعل سبيل للكافرين على المسلمين ، واللَّه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا . قال تعالى: { ولن يجعل اللَّه للكافرين على المؤمنين سبيلًا } ( [14] ) .
قد يوجد بعض المسلمين في بلد من بلاد الكفار ويرغبون في إقامة صلاة الجمعة ولكنهم عدد قليل ، فهل يصح منهم إقامة صلاة الجمعة بالعدد القليل وما هو أقل عدد يمكن أن تقام فيه صلاة الجمعة .
اختلف أهل العلم في العدد الذي تقام فيه الجمعة على أقوال كثيرة، أهمها:
القول الأول: أنها تنعقد بثلاثة رجال .
وهذا القول رواية عند الحنابلة ( [15] ) ، وقول أبي يوسف من الحنفية ( [16] ) ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ( [17] ) .
القول الثاني: أنها تنعقد بأربعين رجلًا .
وهذا مذهب الشافعية ( [18] ) ، والرواية المشهورة عند الحنابلة ( [19] ) .
القول الثالث: أنها تنعقد بخمسين رجلًا .
وهذا رواية عند الحنابلة ( [20] ) .
القول الرابع: أنها تنعقد باثني عشر رجلًا .
وهذا القول مذهب المالكية ( [21] ) .
القول الخامس: أنها تنعقد بأربعة .
وهذا مذهب الحنفية ( [22] ) ، ورواية عند الحنابلة ( [23] ) .
القول السادس: أنها تنعقد باثنين فما فوق .
وهذا مذهب ابن حزم ( [24] ) .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي الدرداء رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة ، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" ( [25] ) .
وجه الدلالة: أن الصلاة في هذا الحديث عامة تشمل الجمعة وغيرها ، فإذا كانوا ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة ومنها صلاة الجمعة فإن الشيطان قد استحوذ عليهم . وهذا يدل على وجوب صلاة الجمعة على الثلاثة ، ولا يمكن أن يقال: أنها تجب على الثلاثة ، ثم يقال: إنها لا تصح من الثلاثة ، لأن إيجابها عليهم ثم قولنا إنها غير صحيحة تضاد معناه: أمرناهم بشيء باطل والأمر بالشيء الباطل حرام ( [26] ) .
الدليل الثاني: قال اللَّه تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللَّه وذروا البيع ... } الآية ( [27] ) .
وجه الدلالة: أن هذه الصيغة الواردة في الآية صيغة الجمع فيدخل فيها الثلاثة، فيكون الثلاثة مأمورون بالسعي إلى صلاة الجمعة وهذا يدل على أنها تنعقد بهم ( [28] ) .
الدليل الثالث: أن هذا العدد أقل الجمع فهو يتناوله اسم الجمع فتنعقد به الجماعة كالأربعين ( [29] ) .
الدليل الرابع: أن المثنى في حكم الجماعة حتى يتقدم الإمام عليهما ، وفي الجماعة معنى الاجتماع ، وذلك يتحقق بالمثنى ( [30] ) .
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: