"وإن لم تتعطل مصلحة الوقف بالكلية لكن قلّت، وكان غيره أنفع منه وأكثر, رد على أهل الوقف ولم يجز بيعه ، لأن الأصل تحريم البيع ، وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله ، ومع الانتفاع ، وإن قلّ ما يضيع المقصود" (المغني 6/227 )
المفسدة الأولى:إقامة المسلم في دار الكفر وهجره لبلدان الإسلام ، وذلك مخالف لحكم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، كما هو معروف .
المفسدة الثانية:إعانة المسلم المقيم في بلاد الكفر للكافرين على المسلمين ، لما يبذله من جهد و طاقة في تقويتهم بعمله معهم ، سواء كان الجهد بدنيًا في المصانع وغيرها ، أو عقليًا في شتى العلوم المهمة ، كالطب والهندسة والفلك وغيرها ، ويدخل في ذلك تقصيره في قتال الكفار المحاربين للمسلمين وهي مفسدة عظيمة لا يجوز إغفالها (1) .
المفسدة الثالثة:تعرض المسلم نفسه لعادات أهل الكفر و أخلاقهم ومعاملاتهم التي يكون كثير منها محرمًا عليه في دينه ، وقد لا يقدر على ترك ذلك لاضطراره إلى الاختلاط بهم في المنازل و أماكن العمل والتنقلات ، ويخشى عليه إن كان جاهلًا ضعيف الإيمان أن يترك دينه و يدخل في دين الكفر وهذا واقع .
المفسدة الرابعة:فقد معنى الولاء و البراء الذي أمر الله به المؤمنين كما قال تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين] (2) .
وقوله تعالى: [ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون* يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ] . (3) وقوله تعالى: [ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده ... ] (4)
والغالب أن المسلم الذي يخالط الكفار و يؤاكلهم و يشاربهم ويصاهرهم يذهب من قلبه العداء لهم ، ويقل في قلبه ولاؤه لله ولرسوله ولعباده المؤمنين .
المفسدة الخامسة:الرضا بالمنكر الذي يراه يتكرر أمام ناظريه في كل وقت: من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير والكفر بالإسلام ووسائل الزنا ، بل والزنا نفسه ، وقد يقع هو نفسه في كل تلك المعاصي ، لأن إحساسه بمفاسدها وكونها من مساخط الله تعالى يضعف في نفسه لتكرارها وبقائه في محيط أهلها .
المفسدة السادسة:تأثير امرأته الكتابية عليه بعاداتها وأخلاقها أكثر من تأثيره هو عليها ، لأن المحيط الذي يعيش فيه هو محيطها والبيئة بيئتها ، وهي تأكل لحم الخنزير و تشرب الخمر وتختلط بالأجانب من الرجال أمامه ، محارم وغير محارم وهي كاشفة أغلب جسمها ، وقد تصافحهم وقد تراقصهم وهو يرى ذلك كله ويسكت عنه فيألف الدياثة ، وقد ينالون منها ما وراء ذلك كله وهو يدري أو لا يدري ،كما أنه هو قد يختلط بقريباتها وصديقاتها اختلاطًا فيه مفاسد كثيرة على دينه وخلقه ، و كيف ينجو من التأثر بذلك هو في محيطه وبيئته ؟! ولا بد هنا من التأكيد على صفة الإحصان التي أباح الله بها للمسلم أن يتزوج الكتابية في قوله تعالى: [ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب] (5) . فإن اشتراط هذه الصفة يدل على عدم جواز زواج المسلم بالكتابية التي لا توجد فيها صفة الإحصان ، وقد اختلف في صفة الإحصان هذه على قولين: القول الأول: أن المراد بها العفة ، فإذا كانت الكتابية عفيفة لم تقارف الفاحشة جاز نكاحها ، وممن فسر الإحصان بالعفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فإنه عندما كتب إليه حذيفة بن اليمان:"أحرام هي ـ يعني الكتابية ـ كتب إليه عمر قائلًا: لا ، ولكني أخاف أن توا قعوا المومسات منهن ، قال أبو عبيد: يعني العواهر ..."وقال مطرف عن الشعبي في قوله تعالى: [ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم] قال:"إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة وأن تحصن فرجها ..." (6) .
و ممن قال بذلك: السدي ، ومجاهد و سفيان .
والقول الثاني:"أن المراد بالإحصان هنا الحرية ، أي يجوز نكاح الكتابية الحرة ـ دون الأمةـ وإن كانت قد أتت بفاحشة إذا تابت منها ، بشرط أن تكون بموضع لا يخاف الناكح فيه على ولده أن يجبر على الكفر" (7) وعلى كلا القولين فإن الكتابية التي في دار الكفر ـ وليست في دار الإسلام ـ يرجح جانب الحذر منها ، لما في بيئتها من الفساد الواضح ، وكيف تكون عفيفة من توصم بالعار والأمراض النفسية إذا بلغت سنًا معينة ولم تجد من يعيش معها كما يعيش الزوج مع زوجته ؟ و كيف لا يخشى من عدم عفة امرأة تختلط بالأجانب في الخلوة كالجلوة كما مضى ؟