4-الواقع والمشهود حيث نرى أن المسلمين الذي تدربوا في الجيوش غير الإسلامية كان لهم دور كبير في مساعدة أهلهم في الحروب الدائرة في البوسنة والهرسك ، وفي الجمهوريات الإسلامية ـ تحت سيطرة روسيا حيث لم يحتاجوا إلى التدريب بل شاركوا مباشرة في الحرب وعلّّموا الآخرين على ذلك ، وكانوا قادرين على أن يستعملوا أي سلاح كانوا يشترونه أو يغنمونه ، ولو لم يكونوا دخلوا في الجيش لما علموا ذلك ولكانوا بحاجة إلى التدريب وقتًا طويلًا والعدو لن ينتظر ، ومن ثم فإنه سيحتل مناطق أكثر مما احتلّ .
5-المعقول: الجهاد و الاستعداد هو واجب على جميع المسلمين أينما كانوا وهذا يتطلب مالًا كثيرًا لا تملكه تلك الأقليات الإسلامية غالبًا ، ولو كانوا يملكونها ما سمحت لهم الحكومات في تلك الدول أن يؤسسوا هذه المؤسسات ، ومن هنا ليس من المعقول أن يرفض المسلم أداء الواجب الذي أوجبه الله عليه لبعض شبهات وهمية.
يقول الشيخ رشيد رضا - رحمه الله تعالى-:"وإنني أعتقد أن محاربة مسلمي روسيا لليابان-يريد الحرب التي نشبت بينهما سنة1904م- ليست معصية لله تعالى ، ولا ممنوعة شرعًا ، وأنها قد تكون مما يثابون عليها عند الله ؛ إذا كانت لهم نية صالحة:"إنما الأعمال بالنيات"، وللنية الصالحة في حرب المسلم مع دولته غير المسلمة وجوه منها أن طاعته إياها تدفع عن إخوانه من رعيته شيئًا من ظلمها وشرها إذا كانت استبدادية ظالمة ، وتساويهم بسائر أهلها في الحقوق والمزايا إذا كانت عادلة . أو تفيدهم ما دون ذلك إذا كانت بين بين."
ومنها - أن العلوم والأعمال الحربية لا تزال من أهم عناصر الحياة الاجتماعية في البشر ، فإذا حرم منها شعب من الشعوب ضعفت حياته ، والضعيف لا يكون إلا ذليلًا مهينًا ، والخير للمسلين من رعايا تلك الدول أن يكونوا مشاركين لسائر أهل الملل فيها في جميع مقومات الحياة الاجتماعية ، أقوياء بقوتهم أعزاء بعزتهم ، لا أن يكونوا فيهم ضعفاء أذلاء بدينهم ؛ فإن الدين الإسلامي لا يبيح لأهله أن يختاروا الضعف والذلة على القوة والعزة ، وإذا هم اختاروا ذلك عجزوا عن حفظ دينهم ، فكان ذلك إضاعة الدين نفسه فلا يلتفت إلى متعصب جهول يقول لك: إن المنار يبيح للمسلمين أن يعتزوا بالكافرين إلا إذا رأيته يعقل بالكلام ، فقل له: إنه ينصح للمسلمين بأن يختاروا العزة على الذل مهما كان مصدر العزة , والقوة على الضعف ، ويرى أن حفظ الإسلام في داره لا يكون إلا بذلك، ويتمنى نصارى العثمانيين لو تدخلهم الدولة في الجندية لذلك"" (8) .وما عرضنا من الأدلة نرى أن دخول المسلم في الجيش غير الإسلامي في هذه الظروف والأحوال بالنية الصالحة جائز بل واجب، (أما إذا كانت النية تحصيل منصب دنيوي أو وظيفة فلا يجو لأن الأصل عدم جواز تقوية الكافرين) ولذلك أنصح إخواننا الذين يعيشون هذه الحال أن لا يترددوا في ذلك، وأن يرسلوا أولادهم إلى المدارس العسكرية ليكونوا ضباطًا في الجيش؛ لان ذلك وسيلة لتقوية الإسلام والمسلمين في تلك البلاد، وعليهم قبل ذلك أن يعنوا بتربيتهم الإسلامية الأصيلة لكي يكون لديهم المناعة من كل الانحرافات, وتوجيههم إلى المقصد الشرعي من الدخول في هذا المجال.
وقد يقول قائل: وكيف تجيز للمسلم الدخول في الجيش غير الإسلامي وهو متعرض للإذلال من قبل الضباط الكفرة ولا يسمح له أن يمارس الشعائر الدينية ؟ نقول: اليوم وفي جميع جيوش العالم - تقريبًا - هناك حقوق وواجبات للجنود محفوظة بالقوانين، وإذا حصلت أية مخالفة لهذه الحقوق من قبل بعض الضباط في حق الجندي فيحق له أن يشتكي ذلك الضابط إلى قضاء الجيش, وحجتي أنه يسمح للجندي المسلم أن يمارس شعائره الدينية داخل هذا الجيش, وأن أكثر الدول في العالم بدأت تتجه هذا التوجه، إذ أنهم يعلمون أن الجيش لا يمكن له أن يكون في المستوى المطلوب من القوة إلا إذا توفر لجنوده كل الاحتياجات المادية والمعنوية ، وعلى رأسها النواحي الروحية ، وهم يعلمون كذلك أن عددًا من الجنود المسلمين يكونون لبنات أساسية في جيوشهم ولا بد من المحافظة على هذه اللبنات.
ويمكن أن يقال: ماذا سيفعل هؤلاء إذا نشبت الحرب بين تلك الدولة وبين دولة أخرى غير مسلمة, أو دولة مسلمة ؟ هذا ما سنبحثه في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى.
(1) في ظلال القرآن 3/1544.
(2) تفسير الرازي 9/191-192.
(3) رواه مسلم ، صحيح مسلم ،4/2052.
(4) شرح النووي على صحيح مسلم 16/215.
(5) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص89 والأشباه والنظائر للسيوطي ص87
(6) الأشباه والنظائر ، لابن نجيم ،ص 85 وللسيوطي ، ص 83.
(7) الأشباه والنظائر ، لابن نجيم ص 88 ، والأشباه والنظائر للسيوطي ، ص 87، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 1/41 ، المادة 28.
(8) فتاوى رشيد رضا 2/565-566.
في حالة نشوب حرب بين دولة غير إسلامية تعيش فيها أقلية مسلمة فإن الحرب إما أن تكون مع دولة غير إسلامية أي ضد كفار آخرين أو مع الدولة الإسلامية أي ضد المسلمين