لملمت أشتات نفسي لاستهانتي بالنصح المقدم إلينا من إخواننا، إذ كان علينا الاعتكاف والمداراة ما دمنا في ديارهم «فدارهم مادمت في دارهم» .
نظرت إلى وجه المرأة «التمثال» بتأسف واعتذار عما حصل، ثم ألقيت في صندوق التبرعات ما تيسر، وشجعت أفراد أسرتي على مثل ذلك، ولأن نظراتها القاسية كانت أشد وقعًا على نفسي من الصفع، ودعتها بقبلة صامتة فيها لطف ومحبة، فبادلتني الشعور بمثله بصمت، ورأيت شفتيها تهمسان بكلمتين موجزتين لم يسمعها غيري تشكرني بالإنجليزية والعربية معًا.
لم أستطع أن أخفي دمعتين تدحرجتا على رغم مني، لوحت لها مودعة، بادلتني برموشها وصفاء عينيها الوداع، ثم تابعت المسير، وبعد فترة التفت، فإذا بها لم تزل في وقفتها بجمود التمثال الرخامي.
ماجت في صدري تداعيات متناقضة، وتساؤلات محيرة حول علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، فالبشرية من أب واحد وأم واحدة «آدم وحواء» ، أليس من الخير التعايش بسلام ووئام؟! أم أن إبليس قد نجح في تكوين حزبه حزب الشيطان ليغوينا بالعداوة والانتقام، ونتوارث الشحناء والبغضاء منذ بدء الخليقة.
قفزت إلى ذهني الآية الكريمة: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم... » الحجرات/13.
فديننا يدعو إلى الالتفاف حول الإله الواحد، وإلى السلام، وتبادل العلوم والمعارف الإنسانية، مع التشديد على عقيدة التوحيد، والتعامل بالقيم والفضائل الإسلامية بالتقوى.
عبد الباقي شرف الإسلام
الحمد لله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، والصلاة والسلام علي إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وعلى أصحابه وأهل بيته وأزواجه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
فإن مما لا شك فيه أننا نعيش زمن غربة شديدة، وهذا أمر أخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه سيقع بقوله في حديث أبي هريرة عند مسلم:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء"، وقد تتبع الحافظ ابن رجب طرق وروايات هذا الحديث في رسالته الثمينة (كشف الكربة في وصف أهل الغربة) ، ويمكن تلخيص الخصال التالية لأهل الغربة:
1.أهل الغربة هم النزاع من القبائل (رواية أحمد وابن ماجة من حديث ابن مسعود) ، أي أنهم قلة قليلة جدًا كما كان المسلمون في العهد المكي يسلم الواحد والاثنان من القبيلة المؤلفة من ألوف وقبائل ليس فيهم مسلم واحد.
2.أهل الغربة يصلحون إذا فسد الناس (رواية الآجري) .
3.أهل الغربة يفرون بدينهم من الفتن.
4.أهل الغربة يصلحون ما أفسد الناس من سنة الرسول صلى اله عليه وسلم - (رواية الترمذي من حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده) .
5.أهل الغربة قوم قليل، في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم (رواية أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو) .
6.أهل الغربة فرارون بدينهم، يبعثهم الله مع عيسى - عليه السلام -.
وإن من الخطأ أن يظن الظان أن الغربة الثانية سببها قلة من ينتسبون إلى الإسلام، بل هم كثير ولكنهم غثاء كغثاء السيل، أما أهل الغربة فهم الفئة المتمسكة بالسنة عقيدة وعملًا ومنهجًا، وهذا الذي فهمه الإمام الأوزاعي من هذا الحديث حين قال:"أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة، حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد"، وكان الحسن البصري - رحمه الله - يقول لأصحابه:"يا أهل السنة، ترفقوا رحمكم الله فإنكم من أقل الناس"، وكان سفيان الثوري - رحمه الله - يقول:"استوصوا بأهل السنة فإنهم غرباء"
والسبب الرئيس لغربة الدين أمران: الشهوات و الشبهات. وقد خشي الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أمته منهما كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن أبي برزة"إنما أخشى عليكم الشهوات التي في بطونكم و فروجكم ومضلات الفتن"، ولما فتحت كنوز كسرى على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه بكى، فقال: إن هذا لم يفتح على قوم قط إلا جعل الله بأسهم بينهم، ولعله رضي الله عنه تذكر قول المصطفي - عليه السلام:"كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم. أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال: أو غير ذلك؟ تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون" [أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما] .
وعندما شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - الغربة الثانية بالغربة الأولي فإن علينا أن نوازن بين المجتمعين (المجتمع المكي والمجتمع الراهن) لنستجلي مواضع الشبه في الجوانب التالية:
قلة العدد:
كان عدد الداخلين في الإسلام قليل (نزاع القبائل) ، وهذا الذي ذكّر الله به المؤمنين بعد تكوين المجتمع المدني"وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ" (الأنفال: من الآية26) ، وهذا هو حال أهل السنة السائرين على منهاجهم إيمانًا وعقيدة وسلوكًا في هذا الزمان فهم اليوم قليل - نسأل الله أن يجعلنا منهم-.
وجود الشهوات: