فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 830

فقد كانت أبواب المغريات مفتوحة على مصراعيها للحيلولة دون وصول هذا الدين في آذان أهل مكة ومن حولها، وسلكوا شتى وسائل الترغيب والترهيب لصد الراغبين في دخول الإسلام أو لإرغام الداخلين فيه للخروج منه، وقد نال قائد الغرباء في المجتمع المكي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك الكثير، وعرضوا عليه الملك والزوجة والمال، وعندما استطاع محمد أن يطرب قلوب القوم بالوحي الإلهي، سعي أولئك أن يطربوا أسماعهم بالوحي الشيطاني وأحضروا القينات والمعازف.

أما الشهوات في غربتنا فحدث ولا حرج، حتى أجلب إبليس وأعوانه من شياطين الإنس علينا بخيله ورجله، وامتطي صهوة الثورة التقنية والإتصالات ليفتح أبواب الشهوات في غرفة النوم عند غياب الرقيب عبر القنوات الفضائية ليلقي محاضراته وفي أكاديمياته وعلى الهواء مباشرة!

وجود الشبهات:

أثار كفار قريش شبهات كثيرة حول الإسلام والرسول - صلى الله عليه وسلم - ووصفوه بأنه ساحر، وكاهن ومجنون، وأنه يفرق بين المرء وأحبته، وأن الذي يأتيه شيطان ما يلبث أن يتركه، واستعانوا بعلماء سوء من يهود المدينة لإثراء شبهات حول الدعوة، حتى أنهم تحملوا كل المسؤوليات وأصدروا وثيقة تأمين عجيبة"اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم"، ويحدثنا الصحابي أبو ذر الغفاري أن أهل مكة حذروه من سماع كلام محمد حين قدم إليها قبل اعتناق الإسلام حتى إنه وضع القطن في أذنيه!

وتدور الأيام ويعود الإسلام غريبًا وتصاغ الشبهات العظام ويتولى كبرها أهل الملل والأديان ومن افتتن بهم من أبناء المسلمين اللذين شكلوا طابورًا خامسًا يفتتون في عضد الأمة ويصطادون في الماء العكر، ورمي من التزم بالسنة بالإرهاب، وأعيد صياغة"عبادة رب محمد سنة على أن يعبد محمد الأصنام سنة"في قالب التسامح والتعايش ودين إبراهيم وحوار الأديان وطمس الكراهية ضد الأديان، ومحو مفهوم الولاء والبراء والجهاد، والتهكم بسنن المصطفي - عليه السلام - وإخراج المرأة من نور العباءة السوداء إلى ظلمة حضارة الرجل الأبيض!

من يعصهم أكثر ممن يطيعهم:

وهذا واضح في المجتمع المكي حتى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - انتابه شيء من اليأس فكان الله دائمًا يسليه في غربته"فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" (الكهف: 6) ،"وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (الأنعام: 35) .

أما في غربتنا فهو واضح أيضًا، فإن علماء السنة اللذين يعرفون الحق ويرحمون الخلق لا يسمع لنصائحهم ولا يستجاب لمبادراتهم، ويطرق جميع الأبواب للمشورة إلا بابهم، وهل نقموا منهم إلا أنهم سلكوا سبيل السلف في نصح الأمة؟ وهل هم إلا الدعاة لمنع خرق السفينة، ليس أدق من وصف غربتنا من هذا الحديث الذي رواه الطبراني بإسناد فيه نظر من حديث أبي أمامة مرفوعًا:"إن لكل شيء إقبالًا وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما كنتم عليه من العمى والجهالة وما بعثني الله به، وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما قُمِعَا وقُهِرَا واضطُهدا، وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها حتى لا يُرى فيها إلا الفقيه والفقيهان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما فأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر قُمعا واضطُهدا، فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانًا ولا أنصارًا".

وتأمل كلام أحمد بن عاصم الأنطاكي - وكان من كبار العارفين في زمان أبي سليمان الداراني - يقول: إني أدركت من الأزمنة زمانًا عاد فيه الإسلام غريبًا كما بدأ، وعاد وصفُ الحق فيه غريبًا كما بدأ، إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتونًا بحب الدنيا، يُحب التعظيم والرئاسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلًا في عبادته مخدوعًا صريعًا غدره إبليس، وقد صعد به إلى أعلى درجة من العبادة وهو جاهل بأدناها فكيف له بأعلاها؟ وسائر ذلك من الرعاع، همج عوج وذئاب مختلسة، وسباع ضارية وثعالب ضوار، هذا وصف عيون أهل زمانك من حملة العلم والقرآن ودعاة الحكمة. خرجه أبو نعيم في (الحلية) ، وبعد أن أورد ابن رجب هذا الأثر عقب عليه قائلًا:"فهذا وصف أهل زمانه فكيف بما حدث بعده من العظائم والدواهي التي لم تخطر بباله ولم تدر في خياله؟"ونحن نعقب على ذلك ونقول: وكيف الحال إذا علم الأنطاكي والحنبلي أن اليهود والنصارى يملون على المسلمين دينهم ويرسمون الخطوط الحمراء التي يحظر على المسلمين تجاوزها حتى وهم في البلاد الإسلامية!! وكيف الحال إذا علما أن شيخًا مقعدًا أفنى حياته نصرة للأقصى من براثن اليهود يغتال ثم لا يستنصر!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت