أنها لو لم تكن واجبة لم يجب قتال تاركيها كسائر السنن . يحققه أن القتال عقوبة لا تتوجه إلى تارك مندوب كالقتل والضرب ( [88] ) .
يناقش: أنه إنما جاز قتال تاركيها لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة لا يجوز لأي مجتمع تركها بالكلية ولذلك جاز قتال تاركيها لعدم إظهارهم لهذه الشعيرة المهمة من شعائر الإسلام فأصبح هذا المجتمع الذي لا يظهرها في المجتمعات الكافرة فجاز قتاله حتى يظهرها ليتميز عن غيره من المجتمعات
الدليل السادس:
أن صلاة العيد صلاة شرعت لها الخطبة فكانت واجبة على الأعيان ( [89] ) وليست فرضًا كالجمعة .
يناقش: أن هذا قياس مع الفارق حيث إنها تختلف عن الجمعة لأن خطبة الجمعة واجبة واستماعها واجب بخلاف صلاة العيد فخطبتها غير واجبة واستماعها غير واجب .
ما سبق من الأدلة دل على وجوب صلاة العيد في الجملة وأما أدلة عدم وجوبها على الأعيان فهي:
الدليل الأول: أن صلاة العيد صلاة لا يشرع لها الأذان فلم تكن واجبة على الأعيان كصلاة الجنازة ( [90] ) .
الدليل الثاني: أن صلاة العيد لو كانت واجبة على الأعيان لوجبت خطبتها ، ووجب استماعها كالجمعة ( [91] ) .
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
عن طلحة بن عبيد اللَّه قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول ، حتى دنا ، فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة . فقال: هل علي غيرها ؟ قال:لا إلا أن تطوع . قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: وصيام رمضان . قال: هل علي غيره ؟ قال: لا إلا أن تطوع . قال: وذكر له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الزكاة . قال: هل علي غيرها ؟ قال: لا إلا أن تطوع . قال: فأدبر الرجل ، وهو يقول: واللَّه لا أزيد على هذا ولا أنقص . قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق" ( [92] ) ."
وجه الدلالة: أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بين للأعرابي في هذا الحديث عدم وجوب أي صلاة سوى الصلوات الخمس مما يدل على سنية ما عداها من الصلوات . ومن ضمن الصلوات صلاة العيد فتكون سنة .
يناقش: أنه لا حجة لكم فيه لأن الأعراب لا تلزمهم الجمعة لعدم الاستيطان فالعيد أولى ( [93] ) .
الدليل الثاني:
عن عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنهما قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد ، من جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند اللَّه عهدٌ أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند اللَّه عهد ، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ( [94] ) .
وجه الدلالة: أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لم يذكر في هذا الحديث سوى الصلوات الخمس المفروضة مما يدل على سنية ما عداهن .
يناقش: أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إنما صرح بوجوب الخمس وخصها بالذكر دون ما عداها لتأكدها ووجوبها على الأعيان ، ووجوبها على الدوام وتكرارها في كل يوم وليلة، وغيرها يجب نادرًا ولعارض كصلاة الجنازة والمنذورة والصلاة المختلف فيها فلم يذكرها ( [95] ) .
الدليل الثالث:
أن صلاة العيدين صلاة ذات ركوع وسجود لم يشرع لها أذان فلم تجب ابتداءً بالشرع كصلاة الاستسقاء والكسوف ( [96] ) .
يناقش: أن هذا القياس لا يصح لأن كونها ذات ركوع وسجود لا أثر له، بدليل أن النوافل كلها فيها ركوع وسجود ، وهي غير واجبة ، فيجب حذف هذا الوصف لعدم أثره ، ثم ينقض قياسهم بصلاة الجنازة وينتقض بكل حال بالمنذورة ( [97] )
أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب هذا القول بعموم الأدلة التي دلت على وجوب صلاة العيد في الجملة ( [98] ) ، وقالوا بأنها باقية على عمومها لعدم وجود دليل يخص أو يستثني بعض المسلمين دون بعض ، وقد سبق مناقشة ما يحتاج إلى مناقشة منها.
الترجيح:
بعد النظر في هذه المسألة والاطلاع على الأقوال الواردة فيها ومعرفة أدلة هذه الأقوال ومناقشة ما يحتاج إلى مناقشة من هذه الأدلة تبين لي أن القول الراجح هو القول الأول وهو أن صلاة العيد فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الجميع وإن لم يقم بها من يكفي أثم الجميع .
وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولعدم استقامة أدلة الأقوال الأخرى، واللَّه أعلم .
المبحث الأول: حكم زيارة قبور المشركين
عندما يوجد المغترب في بلاد الكفار فإن أغلب القبور التي تكون موجودة فيها تكون قبور كفار ، وقد يرغب المسلم المغترب في زيارتها أو قد يضطر لزيارتها إما مجاملة لزميل له أو نحو ذلك ، فهل يجوز له زيارة قبور المشركين أم لا يجوز له ذلك ؟
اتفق جمهور الفقهاء ( [99] ) على أنه يجوز للمسلم أن يزور قبور الكافرين والمشركين وذلك لأنه يتحصل له من هذه الزيارة تذكر الموت والدار الآخرة والتي علل بها المصطفى صلى الله عليه وسلم الإذن العام بزيارة القبور ، دون تفريق بين قبور المسلمين وقبور الكافرين .
استدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول: