فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 830

إليه بها، فهذا كله من أسباب الإجابة كما سأله أصحاب الغار بأعمالهم الصالحة؛ وهم قوم دخلوا غارًا للمبيت فيه والاتقاء من المطر، فأنزل الله عليهم صخرة سدت الغار عليهم، فلم يستطيعوا رفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لن يخلصكم من هذه الصخرة إلا الله بسؤالكم الله بأعمالكم الصالحة، فتوسل أحدهم ببره لوالديه، والآخر بعفته عن الزنا، والثالث بأدائه الأمانة، ففرج الله عنهم الصخرة فخرجوا، كما صح بذلك الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتوسلوا بفلان أو فلان أو جاه فلان، بل لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يتوسلون بدعائه في حياته، فيقولون: يا رسول الله أدع الله لنا، ويدعو لهم - صلى الله عليه وسلم - كما وقع في أيام الجدب وكان على المنبر، فطلبوا أن يدعو الله لهم، فدعا الله لهم واستجاب الله له، وفي بعض الأحيان كان يخرج إلى الصحراء، فيصلي ركعتين ثم يخطب ويدعو. فلما توفي - صلى الله عليه وسلم - عدل عمر إلى عمه العباس، فقال: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) ، فقام العباس ودعا فأمنوا على دعائه فسقاهم الله. ولو كان التوسل بالذات أو الجاه مشروعًا لما عدل عمر والصحابة - رضي الله عنهم - إلى العباس، ولتوسل الصحابة بذاته؛ لأن ذاته عظيمة - عليه الصلاة والسلام - حيا وميتا. والمقصود من هذا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صان هذا التوحيد وحماه، وبين أن الواجب على الأمة إخلاص العبادة لله وحده، وأن يتوجهوا إليه - جل وعلا - بقلوبهم وأعمالهم في عبادتهم، وألا يعبدوا معه سواه لا نبيا ولا ملكا ولا جنيا ولا شمسا ولا قمرا ولا غير ذلك. فوجب على الأمة أن تخلص لله العبادة، فالعبادة حق الله وحده وليس لأحد فيها نصيب، كما قال الله - سبحانه: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) ، وقال - سبحانه: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وقال - تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقال - جل وعلا: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) متفق على صحته عباد الله ولقد وفق محمد - صلى الله عليه وسلم -، نجح في دعوته أعظم توفيق، وأكمل الله له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، وجعل شريعته شريعة كاملة عامة لجميع الثقلين وناسخة لجميع الديانات ونافعة لجميع مصالحهم العاجلة والآجلة، كما قال الله - عز وجل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا) وهذا نص قرأني يرد على الروافض لعنهم الله الذين يقولون أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - فشل في تربية أصحابه فارتدوا كلهم بعد موته إلا سبة نفر منهم (قاتلهم الله أنى يؤفكون) إنهم يكذبون الله القائل في كتابه (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ(164) عباد الله لقد أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل عليهم الكتب لإنكار الشرك، ودعوة الخلق كلهم إلى عبادة الله وحده دون كل ما سواه فلا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا به ولا يتوكل إلا عليه ولا يتقرب بالنذور والذبائح إلا له - عز وجل -، إلى غير ذلك من أنواع العبادة ومتى حققنا التوحيد الخالص تحقق لنا النصر والتمكين والإستخلاف في الأرض بإذن الله قال - تعالى - (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)

العلامة سليمان بنِ سحمان

مِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَحْمَانَ إلى الأَخِ الْمُكَرَّمِ وَالْمُحِبِّ الْمُقَدَّمِ إبْرَاهِيمَ بْنِ رَاشِدٍ آل حَمَدْ حَلاَّهُ اللهُ بِحِلْيَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَعَمَّرَهُ بِآلائِهِ وَنَعْمَائِهِ، وَرَفَعَ لَهُ ذِكْرَهُ بَيْنَ أَهْلِ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ آمِينَ. سَلامُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعْدُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت