فَأَحْمَدُ إلَيْكُمْ اللهَ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ، وَهُوَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالْخَطُّ وَصَلَ بِمَا تَضَمَّنَ مِنَ الْوَصِيَّةِ، وَفَقَّنَا اللهُ وَإيَّاكَ لِقَبُولِ الْوَصَايَا الشَّرْعِيَّةِ، وَأَعَاذَنَا مِنْ سَيِّئَاتِ الأَعْمَالِ الكَسْبِيَّةِ، وَأُوصِيكَ بِمَا أَوْصَيْتَنِي بِهِ وَبِلُزُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالرَّغْبَةِ فِيهِمَا، فَإنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ نَبَذُوهُمَا ظِهْرِيًّا وَزَهِدُوا فِيمَا تَضَمَّنَاهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، اللَّهُمَّ إلاَّ أَنْ يُوَافِقَ الْهَوَى، وَاذْكُرْ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم - لِحُذَيْفَةَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْفِتَنِ قَالَ:"اقْرَأْ كِتَابَ اللَّهِ وَاعْمَلْ بِمَا فِيهِ"كَرَّرَهَا ثَلاثًا. قَالَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّطِيفِ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ:"وَالْحِكْمَةُ - وَاللهُ أَعْلَمُ - شِدَّةُ الْحَاجَةِ وَقْتَ الْفِتَنِ وَخَوْفُ الْفِتْنَةِ وَالتَّقَلُّبِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ وَغَيْرِهِمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ، وَالْمُؤْمِنُ مَن اشْترَى نَفْسَهُ وَرَغِبَ فِيمَا رَغِبَ عَنْهُ الْجُهَّالُ وَالْمُتْرَفُونَ"انتهى. وَتَذَكَّرْ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ غُرْبَةِ الدِّينِ وَانْدِرَاسِ مَعَالِمِ الإسْلامِ، إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْتَ، فَالأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ وَأَعْظَمُ مِمَّا إلَيْهِ أَشَرْتَ، فَإنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَهَذَا مِصْدَاقُ مَا أَخْبَرَ بِهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ قَوْلِهِ:"بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ"...الْحَدِيثَ.وَقَدْ صَارَ إقْبَالُ النَّاسِ وَإكْبَابُهُمُ الْيَوْمَ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا وَإصْلاحِهَا وَلَوْ بِفَسَادِ دِينِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ - رحمه الله:"مِنْ عَجِيبِ ما قدمت فِي أَحْوَالِ النَّاسِ كَثْرَةُ مَا نَاحُوا عَلَى خَرَابِ الدِّيَارِ وَمَوْتِ الْأَقَارِبِ وَالْأَسْلافِ، وَالتَّحَسُّرِ عَلَى الأَرْزَاقِ وَذَمِّ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، وَذِكْرِ نَكَدِ الْعَيْشِ فِيهِ وَقَدْ رَأَوْا مِنِ انْهِدَامِ الإسْلامِ وَشَعَثِ الأَدْيَانِ وَمَوْتِ السُّنَنِ وَظُهُورِ الْبِدَعِ وَارْتِكَابِ الْمَعَاصِي وَتَقَضِّي الْعُمُرِ فِي الْفَارِغِ الَّذِي لا يُجْدِي، فَلا أَحَدَ مِنْهُمْ نَاحَ عَلَى دِينِهِ وَلا بَكَى عَلَى فَارِطِ عُمُرِهِ وَلا تَأَسَّى عَلَى فَائِتِ دَهْرِهِ، وَلا أَرَى ذَلِكَ إلاَّ لِقِلَّةِ مُبَالاتِهِمْ بِالأَدْيَانِ وَعِظَمِ الدُّنْيَا فِي عُيُونِهِمْ ضِدَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَرْضَوْنَ بِالْبَلاغِ وَيَنُوحُونَ عَلَى الدِّينِ..."انْتَهَى.
فَلأَجْلِ غُرْبَةِ الإسْلامِ وَانْطِمَاسِ مَعَالِمِهِ الْعِظَامِ وَإكْبَابِ النَّاسِ عَلَى جَمْعِ الحُطَامِ أَقُولُ:
عَلَى الدِّينِ فَلْيَبْكِ ذَوُو الْعِلْمِ وَالْهُدَى *** فَقَدْ طُمِسَتْ أَعْلامُهُ فِي الْعَوَالِمِ
وَقَدْ صَارَ إقْبَالُ الْوَرَى وَاحْتِيَالُهُمْ *** عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَجَمْعِ الدَّرَاهِمِ
وَإصْلاحِ دُنْيَاهُمُ بِإفْسَادِ دِينِهِمْ *** وَتَحْصِيلِ مَلْذُوذَاتِهَا وَالْمَطَاعِمِ
يُعَادُونَ فِيهَا بَلْ يُوَالُونَ أَهْلَهَا *** سَوَاءٌ لَدَيْهِمْ ذُو التُّقَى وَالْجَرَائِمِ
إذَا انْتُقِصَ الإنْسَانُ مِنْهَا بِمَا عَسَى *** يَكُونُ لَهُ ذُخْرًا أَتَى بِالْعَظَائِمِ
وَأَبْدَى أَعَاجِيبًا مِنَ الْحُزْنِ وَالأَسَى *** عَلَى قِلَّةِ الأَنْصَارِ مِنْ كُلِّ حَازِمِ
وَنَاحَ عَلَيْهَا آسِفًا مُتَظَلِّمًا *** وَبَاتَ بِمَا فِي صَدْرِهِ غَيْرَ كَاتِمِ
فَأَمَّا عَلَى الدِّينِ الْحَنِيفِيِّ وَالْهُدَى *** وَمِلَّةِ إبْرَاهِيمَ ذَاتِ الدَّعَائِمِ
فَلَيْسَ عَلَيْهَا وَالَّذِي فَلَقَ النَّوَى *** مِنَ النَّاسِ مِنْ بَاكٍ وَآسٍ وَنَادِمِ
وَقَدْ دَرَسَتْ مِنْهَا الْمَعَالِمُ بَلْ عَفَتْ *** وَلَمْ يَبْقَ إلاَّ الإِسْمُ بَيْنَ الْعَوَالِمِ
فَلا آمِرٌ بِالْعُرْفِ يُعْرَفُ بَيْنَنَا *** وَلا زَاجِرٌ عَنْ مُعْضِلاتِ الْجَرَائِمِ
وَمِلَّةُ إبْرَاهِيمَ غُودِرَ نَهْجُهَا *** عَفَاءً فَأَضْحَتْ طَامِسَاتِ الْمَعَالِمِ
وَقَدْ عُدِمَتْ فِينَا وَكَيْفَ وَقَدْ سَفَتْ *** عَلَيْهَا السَّوَافِي فِي جَمِيعِ الأَقَالِمِ
وَمَا الدِّينُ إلاَّ الْحُبُّ وَالْبُغْضُ وَالْوَلا *** كَذَاكَ الْبَرَا مِنْ كُلِّ غَاوٍ وَآثِمِ
وَلَيْسَ لَهَا مِنْ سَالِكٍ مُتَمَسِّكٍ *** بِدِينِ النَّبِيِّ الأَبْطَحِيِّ ابْنِ هَاشِمِ
فَلَسْنَا نَرَى مَا حَلَّ فِي الدِّينِ وَامَّحَتْ *** بِهِ الْمِلَّةُ السَّمْحَاءُ إحْدَى الْقَوَاصِمِ
فَنَأْسَى عَلَى التَّقْصِيرِ مِنَّا وَنَلْتَجِي *** إلَى اللهِ فِي مَحْوِ الذُّنُوبِ الْعَظَائِمِ