-ومن المعروف والمؤكد أن كثيرًا من النساء المسلمات المستضعفات بقين في مكة مع أزواجهن الكفار بعد نزول التحريم في آيتي البقرة والممتحنة وحتى فتح مكة ، وهي مدة تصل إلى سنتين . لقد كن معذورات في البقاء مع أزواجهن الكفار لأنهن مكرهات على البقاء في مكة ، ولا يستطعن الهجرة . ومن المعروف أيضًا هذه الأيام أن المرأة المسلمة الجديدة في البلاد الإسلامية يتعذر عليها الهجرة إلى بلاد المسلمين ، بل إن كثيرًا من هذه البلاد لا يستقبلها أصلًا عن أنها لا تستطيع الهروب من قوانين بلادها الوطنية ، خاصة إذا كانت من رعايا إحدى الكبرى التي تستطيع تنفيذ قوانينها على رعاياها ولو كانوا مقيمين في بلاد إسلامية . كما أن بقاءها في بلادها فيه مصلحة دعوية مهمة تجاه قومها ، وليس من العدالة الشرعية أن نحملها ما لا تطيق ، وأن نكلفها بأكثر مما كلفت به النساء المسلمات في مكة قبل الفتح.
والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
(1) -أثر علي الذي فيه إقرار المرأة مع زوجها المسلمة مع زوجها الكافر فيه ضعف لأنه جاء من طريقين الاولى من طريق الشعبي والشعبي رأى عليا ولم يروي عنه ففيها انقطاع والطريق الثانية عن سعيد بن المسيب ومدارها على قتادة وهو ثقة إلا انه يدلس ولم يصرح بالسماع
(2) -أثر عمر الذي فيه إقرارها مع زوجها بعد إسلامها ضعيف لأنه من رواية الحكم بن عتيبة وهو لم يدرك عمر ولا قاربه, أما الأثر الذي فيه تخييرها فقد ورد بلفظ إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه كما ذكر ابن القيم وابن حزم وعبارة أقامت عليه تفسر بالانتظار والمحافظة على عقد الزوجية دون وطء لتوافق رواية عمر الأخرى بالتفريق بينهما كما توافق محكمات النصوص التي انعقد الإجماع عليها كما نقل ذلك القرطبي 3/72 وابن قدامة في المغني 10/10
(3) - خالفهم سائر التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وعكرمة وعمر بن عبد العزيز وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم وابن شهاب وغيرهم كما أن المنقول عن الشعبي انه يرى غير ماروى انظر المحلى 7/312و314 ( الحواشي من وضع المحرر )
عبد الرزاق الكندي 25/6/1423
( الدعوة إلى الله بين القطرية والعالمية )
إن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء 107 ] وقال صلى الله عليه وسلم ( بعثت إلى الناس كافة ) [ البخاري.. ]
ومن هذا المنطلق كانت الرابطة الإسلامية بين صهيب الرومي وأبي بكر القرشي و بلال الحبشي أجناس شتى وهدف واحد ، وحدة في الهم والهدف والمصير .على هذا المعنى سارت الأجيال جيوش الفتح وحلقات العلم وسكان المصر تجمع ألوان الطيف البشرية وهذا المفهوم ظل راسخا ولا يحتاج إلى مزيد تدليل .
ومن هذا المنطلق يتقرر أن مفهوم القطرية مرفوض ويشتد رفضه إذا كان في العمل الإسلامي ،فأخوة الإسلام تستوعب كل ألوان الطيف البشرية والتنادي بالقطرية خطأ و خطر من الناحية الشرعية فقد عاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة عندما تنادوا بها وعدها عودة إلى الوراء حينما قال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين، فقال صلى الله عليه وسلم: ما بال دعوى الجاهلية وفي رواية أخرى قال دعوها فإنها منتنة . (رواه مسلم)
هذا هو الأصل شرعا ولا بد أن يدركه العاملون في المراكز الإسلامية والدعاة المغتربون الذين يعملون في مناطق تجمع أجناس شتى وأن تتوجه العملية الدعوية والتربوية للجميع وهذا لا ينافي تخصيص أبناء كل بلد بمعان تربوية و دعوية خاصة أخذًا بعين الاعتبار الظرف الذي تعيشه مناطق هؤلاء فهذا له ما يبرره من الناحية العملية .
( أما أن تظهر بين الإسلاميين- وخاصة الدعاة المقيمين في المهجر- عصبية الجاهلية ويتنادوا بأجناسهم وأقوامهم إما قولا أو عملا والأخير أكثر ،إلى الحد الذي يخشى أن تصبح معه هذه النعرة ظاهرة وما كان ينبغي لهذه اللوثة أن تسري والإسلاميون في وعي لهدي دينهم وفقه لمبادئ دعوتهم ووقوف عند سيرة قائدهم الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فهل يرضى أحد من الإسلاميين بعد تمثله هذا الهدي العالي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرتد إلى جاهلية جهلاء في التعصب للقوم ، كما صوره دريد بن الصمة بقوله:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت … …
غويت وإن ترشد غزية أرشد
ولا يخفى على الإسلاميين أنه لا تجتمع أخوة الإسلام والعصبية الإقليمية في قلب مسلم نطق بالشهادتين واطمأن بهما قلبه ووعى دينه ، ومن هنا كانت القطرية الضيقة من أشد السلبيات سوءًا وأخطرها في حياة الإسلاميين و دعوتهم ، وكان التخلص منها من الأولويات التي يجب أن يخصها الإسلاميون باستئصال شأفتها أينما وجدت وحيثما ذرّ لها قرن (1) .