صنف التجار:الذين يحتاجون إلى البقاء في بلاد الكفر .
والجواب: أن الضرورة تقدر بقدرها.
فإذا خاف هؤلاء الأصناف من الوقوع في جريمة الزنا بسبب المغريات والسبل الداعية إليه في تلك البلدان فعليهم أن يتزوجوا مسلمات صالحات من بلادهم ويسافروا بهن معهم ، وأن يحاولوا إيجاد مساكن متقاربة لهم في البلد الذي ينزلون فيه ، لتكون أسرهم متجاورة حتى يحصل بينهم التزاور والتعاون على الخير ليعشوا عيشه إسلامية حسب الاستطاعة .
وهذه الحالة تشمل الطلاب و السفراء ومن يتبعهم من الموظفين و بعض الجاليات التي يتمكن أفرادها من بعث أولادهم إلى بلدانهم أو إيجاد مدارس إسلامية خاصة بهم في بلاد الكفر .
وكذلك الذي يدخل في الإسلام من أهل تلك البلدان إذا تمكن من الحصول على زوجة مسلمة صالحة ومجاورة الأسر المسلمة ليتعاون معها على تربية أسرته وأولاده .
أما المسلم الذي يحتاج إلى البقاء في تلك البلدان فترات قصيرة للتجارة و نحوها فعليه أن يصبر ويتقي الله في ترك المحرمات ، وإذا رأى أنه يخاف على نفسه فليصطحب معه أهله وبعض محارمها لمرافقتها عند انشغاله ، فإذا قضى حاجته رجع إلى بلاده .
وكل من يقدر على ترك السكنى في بلاد الكفر فلا يجوز له البقاء فيها خشية الفتنة على نفسه وأسرته ، ومن اضطر إلى البقاء فيها ـ والله أعلم بالمضطر ـ ولم يجد مسلمة يحصن بها نفسه وخاف على نفسه الزنا فيجوز له ـ من باب الاضطرار ـ أن يتزوج الكتابية - اليهودية أو النصرانية التي مازالت تعترف بدينها ولم تتنكر له بالإلحاد - ولكن يجب عليه أن يتخذ الوسائل التي تمنعها من الإنجاب له ، لأنه إذا أنجبت له أولادًاَ خاف عليهم من إفسادهم بتنشئتهم على الكفر وعادات الكفار ، فإنه شبيه بالأسير في بلاد الحرب والتاجر ، وقد مضى بأنهما لا يتزوجان الكتابية ولا يطآن زوجاتهم المسلمات خشية من اعتداء الكفار عليهن وإنجابهن أولادًا ليسوا من أزواجهن المسلمين ، إلا أنني أرى أن الزوجة المسلمة يمكن لزوجها أن يطأها وينجب منها إذا كانت صالحة ، وغلب على ظنه تمكنه من تربية أولاده منها في بلاده ، أو في مدرسة إسلامية في نفس البلاد التي يعيش فيها كما مضى وإنما قلنا بوجوب اتخاذ الوسائل التي تمنع الإنجاب من الكتابية ، لما مضى من المفاسد المترتبة على الزواج بها في بلاد الكفر ، ومن ذلك تنشئة الأولاد على الكفر وأخلاق الكفار ، فإذا غلب على ظنه تنشئتهم على الإسلام فلا يجب عليه حينئذ أن يتخذ وسائل عدم الإنجاب ، وهذا يشمل المسلم الوافد إلى بلاد الكفر والذي يدخل في الإسلام من أهل ذلك البلد .
نتائج البحث
وبعد ، فإن الصحيح ما عليه جمهور علماء المسلمين من جواز المسلم بالكتابية في بلاد المسلمين - وهي الذمية التي تخضع لأحكام الإسلام العامة - وأن الأفضل - مع الجواز - ترك ذلك وقد كرهه أغلب العلماء .
وأنه لا يجوز للمسلم الزواج بالحربية ، وهي الكتابية التي تعيش في بلاد الحرب ، على الصحيح من أقوال العلماء .
وأن بلاد الكفر اليوم حكمها حكم بلاد الحرب في هذا الحكم بالذات لأن المفاسد التي تترتب على زواج المسلم بالكتابية في بلاد الحرب تترتب على زواج المسلم بالكتابية في بلاد الكفر اليوم .
وإذا دعت الضرورة أن يتزوج المسلم بالكتابية في بلاد الكفر وغلب على ظنه أن ذريته ستنشأ تنشئة إسلامية فلا يجب عليه أن يتخذ الوسائل التي تمنع الإنجاب ، وإن غلب على ظنه عكس ذلك وجب عليه اتخاذ ذلك .
أما إذا غلب على ظنه فتنته هو في دينه أو فتنة أولاده منها أو من غيرها فإنه لا يجوزله أن يتزوج بها مطلقًا ، وعليه أن يتقي الله ويبتعد عن الحرام ويبحث عن زوجة مسلمة صالحة .
هذا ما ظهر لي في هذا البحث ، فإن كان صوابًاَ فالله هو الذي وفقني للوصول إليه ، وإن كان خطأً فأستغفر الله وأتوب إليه ، وفي كلا الأمرين اسأل الله ثوابه فإني ما قصدت إلا رضاه ، وسبحانك اللهم وبحمدك ، أستغفرك وأتوب إليك ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
(1) راجع الموافقات للشاطبي (1/109) تحقيق عبدا لله دراز .
(2) راجع أول الجزء الثاني من كتاب الموافقات ..
مفاهيم تهم الداعية المغترب
(الحلقة الاولى)
جمعة العلوي 7/11/1423
1-توحيد الكلمة ونبذ الفرقة
لا شك أن عودة الإسلام أصبحت واقعًا لا مرية فيه ، وأن تيار العائدين الجارف أضحى حقيقة مفرحة للمصلحين ، ومرعبة للحاقدين . إن سفن الدعاة أوشكت أن ترسي على بر الفاتحين لتعيد الجولة للإسلام فيبلغ ما زوي للنبي صلى الله عليه وسلم منها . وكل يوم يخرج المستضعفون المعلقون آمالهم على وصول سفن الدعاة ، كل يوم يشرقون مع شروق الشمس على المراسي ، فينتظرون وصولها ، ينتظرون إلى المساء ، ثم يعودون أدراجهم مع الغروب أسفين على تأخرها ، كل يوم . هي - سفن الدعاة - تزداد وتكبر وتكثر إذ تشق عباب الموج الهادر في طريقها ، لكن ثمة عوائق وسدود تحول دون وصولها إلى المراسي . تُرى ما هذه والعوائق والسدود؟ .