فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 830

إن أعظم العوائق هي شغل الشيطان الذي رضي به بديلًا بعد أن يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ؛ كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يئس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم" (1) . فإذا حصل أن حمل نفر من أهل جزيرة العرب تحريشهم إلى إخوانهم في خارجها ووزعوه كما توزع الجرائد والمجلات والأشرطة ، فإن هنالك ثمة مفاهيم ينبغي أن يتحصّن بها المسلم المغترب ضد هذا التحريش .

لقد ضرب الأديب مصطفى صادق الرافعي مثلًا ينطبق علينا إذا عدل تعديلًا طفيفًا: يقول الرافعي رحمه الله:"إن قومًا من العرب ترحّلوا عن بعض منازلهم فكان من أنسائهم (2) قطعة مرآةِ صقيلة كأنها وجه المليحة التي نَسِيَتْهَا ، فمرت بها ضبع كأشأم ما خلق الله قبحَ طلعة وجهامةََ منظر ، حتّى كأن في وجهها تاريخ الجيف التي اغتذت بها ، فوقفت عليها تعجب من إشراقها وسناها ، وما كادت تنظر فيها حتّى راعها وجهها ولا عهد لها برؤيته من قبل ... فانقبضت الضبع وزوت وجهها وقالت: (من شرٍّ ما اطرحك أهلك أيتها المرآة) (3) ". إن الناظر إلى الإسلام أول ما ينظر منه هو هذا التنازع الشرس بين بنيه ، أفنلومه إذا ردد مقولة الضبع ؟ !

وأكبر من هذا أنّه لو سبر المنصف التاريخ لوجد أن كل تسلط للأعداء على المسلمين سببه التفرّق والاختلاف بينهم ؛ تبدأ المشكلة صغيرة ، ثم تظل تكبر وتكبر ، حتى تطفح ، وكان التتر والصليبيون- واليوم الغر ب- هناك يرقبونها بحذر وانتباه ، يؤججون أوارها ، حتى إذا نضجت الفتنة وتشاغلنا بها عن هدفنا أحرقتنا مدافعهم وأخرجتنا من ديارنا وأبنائنا .

إن من رحمة الله جل وعلا بالأمة الإسلاميّة المعاصرة أن قيّض لها علماء ودعاة وفصائل يرابطون على إحياء فرائض مختلفة ، فكان الأليق بشكر هذه النعمة أن يحترم كل فرد أو فصيل عبودية أخيه ، وأن يتذكر أن أخاه رفع عنه إثم التقصير في أداء ما ضاق عنه وقته ، فيتناصح الجميع ويتراحمون من أجل أن تتكامل هذه الفرائض على إقامة الدين كلّه ، فيكونون بذلك أهلًا لتحقيق وعد الله بالنصر والتمكين.

أمور تلح علىتوحيد الكلمة:

أولًا: كثرة نصوص الكتاب والسّنّة الآمرة بالاجتماع ونبذ التفرّق ، من ذلك قول الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا ) (آل عمران 203 ) ، وقال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (الأنفال 46 ) . وقال: (ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا ) (الروم 31،32 ) ،وقال: (إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) (الأنعام 159 )

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"فلا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". ويوم أن حاول عبد الله بن أبي بن سلول تشتيت أخوّة المهاجرين والأنصار اغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك أيما غمّ ، وسار بالناس سيرًا ينسيهم تعبه مكيدة هذا المنافق ، ثم أنزل الله قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة وسورة سمّيت سورة المنافقين لفضح دسائسهم ؛ يقول الله تعالى في ثناياها: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ، يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) (المنافقون: 7،8 ) والنصوص في ذلك كثير .

ثانيًا: إننا أمام هجمة عظيمة وكيد كبارمن الكفّار ؛ النصارى الذين يعملون ليل نهار على تحويل الأمة الإسلاميّة إلى أمّة غير ذات رسالة ، واليهود الذين يسعون إلى جعل المنطقة الإسلاميّة منطقة نفوذ لليهود ، ولا يمكن مجابهتهم بأقوى من جمع الكلمة ووحدة الصف .

ثالثًا: المنافقون المندسّون في الصفوف ، والذين يستخدمون الأدب والشعر والصحافة والتلفاز والإعلام والمقصف والمدرسة والجامعة وكل وسيلة لتغيير عقليات المسلمين وأفكارهم ، وهؤلاء يجاهرون بدعواتهم في بلاد الغربة ولا يحتاجون إلى النفاق، فالواجب قطع الطريق عليهم ومجابهتهم صفًّا واحدًا .

رابعًا: المشركون الوثنيون من عباد البقر وغيرها من الأوثان ، الذين أصبحوا يشمخون بأنوفهم ويرفعون عقيرتهم على الإسلام وأهله .

كل هذه الهجمة تستهدف وجودنا وديننا ، وتحتاج ولا شك منا إلى جمع الكلمة لمواجهة هذا الكيد العظيم المدروس المدبّر المدجج بأحدث ألوان التقنية الغربية . وهم مع هذا أعداء معلنون للعداوة ، وقد نجحوا في تضليلنا وإفسادنا وإهدار كرامتنا ، بل نجحوا في تغيير عقائد الجم الغفير من جهلة المسلمين ، وهناك دول ، وأقاليم ، وطوائف قد لحقت بالنصارى ، وأخرى بأهل الأوثان ؛ مصداقًا لما أخبر به الصادق المصدوق عليه صلاة الله وسلامه في حديث ثوبان:"ولا تقوم الساعة حتّى تلحق فئام من أمتي بالمشركين ، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"

خامسًا: أضف إلى ذلك أن المغترب أولى بنبذ الفرقة ، لأنه الصورة الأولى التي تعكسها مرآة الإسلام الصقيلة إلى غير المسلمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت