فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 830

أفلا يحتم علينا كل هذا أن نناقش المسائل المختلف فيها بكل معاني الصراحة . خاصة إذا تبين لنا أن هذه المسائل أو تلك لا تتجاوز دائرة ترتيب الأولويات ، مع الاتفاق على جواز العمل بالمرجوح والمفضول رعاية لمصلحة شرعيّة معتبرة .

بعض المسائل المختلف فيها

1-المسائل الفقهيّة .

2-المسائل الواقعيّة: مثل:

-العمل السياسي ، وضوابط دخول المغترب فيه .

-المؤسسات الأخرى ، والتي نستطيع من خلالها انتزاع حقوقنا والدعوة لديننا .

-الجماعات الإسلاميّة والتفضيل أو الانتماء وأحاديث الطائفة المنصورة .

-العمل الجهادي و توقيته .

-أولويات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر شؤون الدعوة .

ولنبدأ أولًا بالمسائل الفقهية

لا أظن أن المسلم المغترب يجهل أن المسائل الفقهية الخلافيّة مما لا ينبغي أن تكون مجالًا للتضليل أو التفسيق أو التبديع أو الولاء والبراء ، ليس فيها هدى وضلال وحق وباطل ، وإنما فيها راجح ومرجوح وصحيح وأصح .

قال شيخ الإسلام:"وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط ، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوّة" (4)

ولقد سأل أبو جعفر المنصور الإمام مالك أن يحمل الناس على كتابه الموطأ ، كما ذكر ابن عساكر وغيره ، فقال الإمام مالك رحمه الله:"لا تفعل هذا ، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث وروايات ، وأخذ كل قوم منهم بما سبق إليهم ، وعملوا به ، ودانوا به . . . وإن ردهم عما اعتنقوه شديد ، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم". فقال أبو جعفر:"لعمري لو طاوعني على ذلك لأمرت به". (5)

وسئل شيخ الإسلام عن والٍ لا يرى جواز شركة الأبدان فهل له أن يمنع الناس من ذلك ؟

فأجاب رحمه الله:"ليس له منع الناس من مثل ذلك ، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد . . . إلى أن قال: ولهذا قال العلماء المنصفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهاديّة لا تنكر باليد ، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها ، ولكن يتكلّم فيها بالحجج العلميّة ، فمن تبين له صحّة أحد القولين تبعه ، ومن قلّد القول الآخر فلا إنكار عليه". (6)

ثانيًا: المسائل الواقعيّة

هذه المسائل أقرب إلى الاختلاف من سابقتها ، لأن المسائل الفقهيّة فيها نصوص أحيانًا وفيها أصول عامّة ، بخلاف المسائل الواقعيّة ؛ فقد لا يوجد نص يعالج المسألة بذاتها ، وقد يدخلها شخص تحت نص ويدخلها آخر تحت نص آخر .

وأكثر هذه المسائل الواقعية يخضع لأبواب السياسات الشرعيّة التي تتفاوت فيها الأنظار ويختلف فيها النظار وتحتاج من يعالجها إلى ثلاثة أمور قد لا تتوفّر اليوم للكثير ممن يبحثها .

الشرط الأول: العلم بالشرع: لأن الله تعالى قال: ( وكل شيء فصّلناه تفصيلا ) (الإسراء: 12 ) ، وقال: (ونزّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء ) ( النحل: 89 ) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما تركت أمرًا يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّ أنبأتكم به"وقال بعض الصحابة:"ما ترك رسول الله الله عليه وسلم طائرًا يطير بجناحيه في السماء إلاّ بيّن لنا منه علما".

فكان لا بد لمن يتصدّى للمسائل الواقعيّة الحادثة أن يكون متدرّعًا بالنصوص الشرعيّة والأصول العامة والقواعد الكلّيّة ، التي هي كالنور الهادي لمعرفة ما حدث وجد بين الناس .

الشرط الثاني: المعرفة بالواقع لأنه يريد أن يحكم على واقع ، كما أن المسائل الشرعيّة لا يفتي فيها إلاّ من يتصوّرها ، والفقهاء يقولون: الحكم علىالشيء فرع عن تصوّره .

الشرط الثالث: أن يملك المتصدّي لهذه المسائل سعة الأفق والعقل والفهم والإدراك ، حتى لا يفتي بغير حكم الله بسبب ضيق تصوّره ، خاصّة إذا تصوّرنا أننا في هذا الزمان نواجه أحوالًا وأوضاعًا غاية في التعقد والتشابه ، وهي بحق تعد من النوازل التي ينبغي أن يتنادى فقهاء الأمّة وعلماؤها إلى مؤتمرات ومجامع ومجتمعات ليتباحثوا فيها ويتناقشوا ثم يخرجوا فيها برأي موحّد أو بآراء متقاربة .

وهنا نعود إلى الأمور التي أشرنا إليها آنفًا ونناقشها بشيء من الإيجاز:

أولا: العمل السياسي ، وضوابط دخول المغترب فيه .

إن كل ما يتاح لنا كمغتربين في ديار الغربة هو التصويت لحزب أو لآخر ، وهذا يحتاج منا إلى توحيد الصفوف ، لأننا به نتوصل إلى انتزاع بعض حقوقنا . ولقد كونت الأقليات الإسلامية جمهرة هائلة لا يستهان بها في كثير من البلدان، بل باتت الأحزاب تخطب ودّها، والحكمة ضالة المؤمن ، فإذا استطاع اليهود وهم قلة أن يوجهوا سياسات تلك الدول لصالحهم ، فإننا نملك من العدد والعُدد ورؤوس الأموال ما يؤهلنا لتأثير أكبر وتوجيه أدق ولو على الأمد البعيد . وعلى من لا يرى هذا ألاّ يكون حجر عثرة في طريق إخوانه .

ثانيًا: المؤسسات الأخرى ، والتي نستطيع من خلالها كذلك انتزاع بعض حقوقنا والدعوة لديننا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت