وكثيرٌ من المواقع التي يمارَس فيها التشنج، والغلظة، وعدمُ الأناة، وقلةُ الصبر، تراجعت فيها الدعوة، وهانت فيها كلمة الحق؛ لأن النفوس التي تحملها لم تَتربَّ على هذا الخلق الرفيع، وقد لا تعرف إلا التشدد مسلكًا، والتيئيس شعارًا، والتعنت أسلوبًا، والإعجابَ برأيها منهجًا متبعًا، لذلك ترى مثل هذه النفوس الهزائمَ انتصارًا، والانتكاسات تقدمًا، فانقلبت حقيقة الدعوة إلى سوق من البغضاء، والفرقة، والجدال حول أمور ما وُضعت مواضعهاالحقة لتظهر نصاعتها وأحقيتها، مع العلم أن الرفق، من أعظم الأعمدة التي بنى عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوته، ووصل به إلى الانتصارات الباهرة في فتح مغاليق النفوس، قبل الانتصار على أعداء هذا الدين. قال - تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .
فانظر إلى تقرير القرآن أن خُلُق اللِّين والحِلم، هبة ورحمة من الله لعباده، وأن خلق الفظاظة والغلظة، ينفِّر الناس، ويبعدهم عن الداعية، ويفرقهم من حوله. فما أحوجنا أن نحذو حذو المواقف النبوية في تطبيقات هذا الخُلُق الفريد. عن أنس بن مالك قال: «كنت أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت صفحة عاتق النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك، ثم أمر له بعطاء (2) . الله أكبر؛ إنه كمال النفس في كمال خُلُق يتحمل الأذى، ويتجاوز عن المسيء، ولا يقابله بمثل فعله؛ فهذه الأخلاق الرفيعة، هي التي أثرت في الأعراب ذوي الطبائع الشرسة، والأخلاق الشكسة، فأذعنوا للحقيقة وأسلموا وجوههم لله وحده.
فما أحوج الدعاة في زمن الغربة، التي كثر فيها الأذى والقذى، أن يستلهموا مواقف دعوتهم من سيرة سيد العرب والعجم، ولهذا فالقوة لا تقاس بقوة الجسم، وإنما تقاس بقوة النفس على التحمل، وكظم الغيظ، وعدم مقابلة السيئة بمثلها، وشاهد هذا حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (3) . ولما طلب رجل من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوصيه بأعلى خصلة حسنة يتصف بها المرء، قال له: «لا تغضب» (4) لأن الغضب خلُقٌ مدمر للمروءة، مفسد للعمل، مبعد للناس عن صاحبه، موصِد لأبواب التواصل الذي هو أحوج ما يحتاج إليه في زمن الغربة لإزالة الغربة، وإن لم يكن في الغضب من السوء إلا تغيُّرُ الملامح، وانتفاخ الأوداج، لكان يليق بعاقل عادي أن يتركه، فما بالك إذا كان داعية متصدرًا لهداية الناس وإرشادهم. جعلنا الله - تعالى - ممن تخلَّق وتحمَّل، وعمل لدينه وأمته وما توانى، والحمد لله رب العالمين.
(1) أخرجه مسلم في الإمارة/1523/23/3 وأخرجه البخاري في كتاب الاعتصام من حديث المغيرة بن شعبة. ح 7311.
(1) حديث صحيح: أخرجه أحمد في المسند 103/4 والحاكم 4/430 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وله شاهد عن المقداد بن الأسود عند ابن حبان 6699.
(2) رواه مسلم في الفتن 4/2251/3.
(3) أخرجه أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن 1/66، بإسناد صحيح.
(4) أخرجه أحمد 222/177/2، والطبراني في الكبير ـ كما في الجامع 10/259، وقال: وله في الكبير أسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح، قلت: وصححه الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في المسند.
(5) مجموع الفتاوى 291 ـ 503/18.
(1) مدارج السالكين 3/195، 196.
(2) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، حديث 3701، ومسلم كذلك 4/1872.
(3) أخرجه مسلم في العلم 4/2061، 2062.
(1) المفردات للراغب الأصفهاني ـ مادة حكم 127.
(2) مجموعة الرسائل لابن تيمية 2/7.
(1) أخرجه مسلم.
(2) أخرجه البخاري في العلم - بالفتح - 4/2085/ ومسلم في كتاب العلم 1/234/ وروى أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة أن ذلك كان في حجة الوداع.
(3) مفردات الراغب: ص 129.
(1) أخرجه 1/48 - مسلم في الإيمان.
(2) أخرجه البخاري - بالفتح - في الخمس 6/251.
(3) أخرجه البخاري - بالفتح - الأدب - 4/2014 ومسلم 10/518.
(4) مسلم 10/518.
عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
قبل أكثر من سنة، وصلتني رسالة من فتاة تشكو غربتها في بيت أهلها، ولم تكن تلك الرسالة هي الأولى وبالتأكيد ليست هي الأخيرة!
ولما تأمّلت الرسالة وجدت أننا ربما صنعنا الغربة بأيدينا! كيف؟
نُحيط أنفسنا بهالة من الوهم -ربما-، ثم لا نخرج منها! أو ينفرد الصالح بصلاحه، أو يتقوقع داخل دائرة ضيقة محدودة، فلا يرى في الصفحة البيضاء إلا الأسطر السوداء!
بل ربما رأى أسطر الصفحة البيضاء كأنها قضبان سجن!