والجدير بالذكر أن غربة الدين، يكون هذا السبب أحدَ أسبابها؛ لأنه يتضمن أن يتكلم في علوم الوحي من لا يحسنها، فيقدمها بذلك في حلة باهتة، لا تجلب رغبة، ولا تثير حماسًا، ولا تشحذ عزيمة، ولا تنبه الغافلين، ولا تؤُزُّ المعادين ولا تزعجهم، فينشأ عن ذلك الإعراض الكلي، الذي تنشأ عنه غربةُ الإسلام وأهله المتمسكين به، ويسبب لهم وحشة بين أقوامهم. صحيح أن الإسلام ليس حكرًًا على أحد، وليس بمحرم على من لم يتخصص في علومه أن يتكلم فيه؛ لأنه رسالة الله للعالمين من الجن والإنس، ولكن ما ليس بصحيح، هو أن يتكلم الإنسان فيما لا يعلمه من دقائق هذا الدين وعلومه؛ والكلام فيه لا بد أن يكون بعلم؛ فمن تكلم في حدود ما يعلمه، وأحال على غيره فيما لا يعلمه، فلا أحد يلومه؛ فلو كان بعض الناس قد التزم بهذا المبدأ لأراح واستراح، ولم يكن سببًا في ضلال أحد؛ ولا في تحريف فهم أحد؛ فهذا القياس لا اعتراض على أحد أن يتكلم وأن يناقش فيه؛ لأن ضروريات هذا الدين لازمة لكل أحد، مفروض عليه علمها والسؤال عنها، فهي مِلك مشاع لجميع البشر؛ ولهذا لا يفترض أن يوجد في ديار المسلمين من يجهل ضرورياته، ولكن يفترض أن عامة الناس ليسوا في مستوى التنظير والاجتهاد والاستنباط؛ فإذا تكلم هؤلاء في هذه الدقائق، فقد ضلوا وأضلوا، والإسلام لا يرغب في ضلالهم ولا إضلالهم؛ فكما لا يوجد عندنا في الواقع طبيب يتكلم في غوامض الطب دون أن يتخصص في ذلك حتى عُرِف تأهلُه فيه، واشتهر فيه علمُه ومعرفته، فكذلك علوم الدين الدقيقة، لا بد أن يكون من يتكلم فيها عالمًا بها، متخصصًا فيها؛ فكما ينكر الناس تلقائيًا على الأول ويتنكرون له ولا يتطببون عنده؛ فكذلك ينبغي أن يفعلوه مع هذا الثاني، بأن لا يثقوا في علمه، ولا يعتمدوا فتواه، ولا يُكْبِروا أمره، لكن الذي وقع، هو أن الناس منسجمون مع فطرهم وواقعهم في الأول دون الثاني؛ فلن تجد أحدًا يأتي غير الطبيب الحقيقي إلا نادرًا، ولكن تجد الناس بالآلاف يستفتون من لم يتأهل للفتوى، ويعتبرون العالم من عَطِلَ عن حلية العلم؛ فنشأ عن ذلك ما نلاحظه من رقة التدين، وقلة الحماس لعلوم الدين.
الحِلْم: ومع العلم والحكمة، فلا بد من الحلم؛ فموقع الحلم من الدعوة، موقع العضد من الكتف. والحِلْم يعني ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب (3) ، وهو صفة كمال، وليس بصفة نقص، ولذا سمى الله - تعالى - نفسه حليمًا، فقال: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155] . وحِلمُه - تعالى - أنه يعفو عن عباده ويصفح عنهم، ويتجاوز عن عصيانهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، وجعَل لكل شيء نهاية وقدرًا ينتهي إليه.
والداعيةُ في حاجة لخلُق الحلم والأناة؛ فبالحلم يقبل من الجاهل، ويعذر المخطئ، ويتحمل الإساءة، وهذا يجعل الخلق مقبلين عليه، راغبين في دعوته، لما يرونه في سلوكه من الأناة، وكظم الغيظ، والصبر على الأذى؛ فالحلم للدعوة، كالإدام للطعام؛ فكما لا يستساغ الطعام إلا بتأديمه، فكذلك الدعوة لا تستساغ إلا بحِلم، ولا ينبغي أن يغفل الداعية أن الحلم لا ينبغي أن يزداد عن حده، ولا أن ينقص عنه؛ لأنه خصلة حميدة بين رذيلتين: رذيلةِ الغضب بسرعة والانفعالِ الاندفاعي الذي يستجيب للنزغات بلا تبصر ولا روية، ورذيلةِ الذلة والبلادة والرضا بالظلم وهضم الحقوق.
والحِلمُ هو العفو عمن يستحق مع المقدرة، والصبر مع من يعترف به، وليس عجزًا ولا غفلة، ولا غباء كما يعتقد بعض، والأناةُ واجهة من واجهات الحلم، وهو تدبرُ الأمور، والنظرُ في مآلاتها وعواقبها، ثم التحركُ لعلاجها وفق ما تتطلبه عواقبها، من حسم، أو إغضاء. ولو كان الحلم إنسانًا يمشي على قدميه، ما كان إلا محبوبًا عند الناس كلهم، مرغوبًا في مجالسته ومعاشرته؛ فلو لم يكن في الحلم إلا عواقبُه الحميدة، لكان محل إجماع على احتياج الناس إليه؛ فما بالك إذا كانت نتائجه وخصاله عديدة.
وأحق من يحتاج إلى الحِلم، الداعية في دعوته، فلا شك أنه يواجه المشكلات وتواجهه، ويصادف التحديات وتعترضه، فلا أمل في أن يتغلب عليها في جل أحواله إلا بالحلم والأناة؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأشجّ عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة» (1) .