فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 830

ولما سوَّى بعض الناس بين المقامات كلها، وخلطوا هذه بتلك، كانت النتائج سيئة أحيانًا، ومسيئة للإسلام أحايين، ومدمِّرة تارات أخرى، فانقلبت النتيجة إلى ضدها، وانعكس القصد، وضاعت الجهود، وانحصرت الدعوة في متاهات لا يعلم مداها إلا الله - عز وجل -؛ فكم من حق أسيء استخدامُه، فأصبح في نظر الناس غُولًا يُتقى ويحارَب؛ فمن المسؤول عن هذه الوضعية المزرية؟ إنه من يتصدى للدعوة، وهو خالٍ من علم الدعوة، ومن انتصب لنشرها، وهو لا يملك من أساليبها وحكمتها شيئًا، ولا يعلم عنهما قطميرًا ولا نقيرًا؛ ولا ريب أن من كان هكذا، فهو آثم شرعًا، متحمل وزر من تنكروا للحق وجحدوه؛ لأنه هو الذي قدمه لهم في صورة الباطل، فنفروا منه، وكل من كان كذلك، فهو مشمول بقوله - تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] ، وقوله - تعالى: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة: «ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (1) .

فهذه الأدلة مفيدة أن المتسبِّب في الشيء، يؤخذ بمسبَّبه، ويُسأل عنه، وإن كانت نيته صالحة مع الجهل؛ لأن النية الصالحة لا تشفع للجاهل، ولا ترفع عنه حكم ما تسبب فيه، وإنما تخفف عنه الحكم أحيانًا، ولكنها لا تدفعه بالكلية. وهذه الحقيقة لا يعيها كثير من الدعاة إلى الإسلام بدون علم ولا حكمة، وإنما يدفعهم الحماسُ الزائد للدعوة، بحجة أن العلماء المكوَّنين ليسوا بموجودين الآن، وإذا وُجدوا لا يتحركون ولا يعملون، فيجب أن نعمل نحن، وننشر ما نعلم، وغاب عن أصحاب هذه المقالة أن المشروط يفقد بفقدان شرطه، فما داموا يعترفون بأنهم ليسوا من أهل العلم؛ فالواجب عليهم أن يتركوا الدعوة لأهل العلم إذا وجدوا، ويحمِّلوهم مسؤوليتهم أمام الله - عز وجل -، وإذا لم يوجَدوا فعليهم أن يسعوا في إيجادهم وتكوينهم من منطلق فقه: توقُّف المشروط على وجود شرطه.

ثم هم ليسوا كلهم صادقين في أنهم يدعون لما يعلمون فحسب، فجلُّهم يتجاوز ما علمه إلى ما لا يعلمه؛ فكم من واحد نعرفه يدغدغ العواطف في بداية اتصاله بالدعوة بأنه واقف عند ما علمه، ثم لا يلبث أن يتصدر ويُستفتَى، فيستنكف أن يقول: لا أعلم، فيفتي ويقضي فيما أحجم أهل بدر أن يقضوا فيه، وينصب نفسه مصدرًا في كل علم، فيَضل بذلك ويُضل، ويدخل في عداد من قال فيهم المعصوم - صلى الله عليه وسلم - من حديث عمرو بن العاص: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت