وأكبرُ مشكلة تعترض الدعوة، ويلمسها كل مخلص، هو قلة المؤطِّرين الإسلاميين المقتدرين على هضم الثقافة الإسلامية وهضم الواقع الذي تنزل عليه تلك الثقافة. وما دمنا لم نقتل الماضي بحثًا، ولم نستوعب الحاضر فقهًا، فإننا سنبقى نجتر ما كان، دون أن نفقه معناه لنأخذ منه ما يلائم أوضاعنا. والحركةُ الإسلامية ـ مع امتدادها وانتشارها ـ لا بد لها أن تستشعر بإحساس بالغ ضرورةَ التمكن من العلوم الشرعية، وأخذ أصحابها زمام الدعوة ومِقْوَدَها. ولغياب العلماء القادرين عن بعض المواقع، اضطربت بعضُ مفاهيم الدعوة، وتخلخلت فتاوى المتولين لها، واعوجَّ علاجهم لواقع الأمة وأزماتها، وإذا كان الغرب الصليبي الحاقد أدرك إدراكًا كاملًا خطورة الأطر المتخصصة والمدرَّبة بشكل كاف وممتاز ـ فهيأ لهم لذلك مدارس متخصصة وخاصةً بهم، ووضع تحت تصرفهم ما يحتاجون إليه من ماديات ومعنويات ومشجعات ـ فإنه لم يفعل ذلك سدى، ولا تبناه بغير دراسة، ولكنه أدرك جيدًا أن التأثير السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والتحولات التي تشهدها المجتمعات، لا تكون إلا برجال أقوياء، تعرَّفوا على سنن الله في خلقه، وبنوا على تلك السنن ما تؤدي إليه من نتائج، فقَلبوا بذلك الدنيا رأسًا على عقب، وتحكموا فيها وفي بشرها وخيراتها من المحيط إلى المحيط، فالمأمول في الدول الإسلامية هو التغيير الجذري، ولن يكون ذلك إلا بالإسلام، والإسلام لا بد له من رجال أوفياء، ولن يكونوا إلا العلماء بهذه الشريعة، وبسنن الله في الكون والأنفس والآفاق، وهم الذين تثق فيهم الأمة، وتسلِّم لهم زمام أمرها؛ لأنهم في مستوى الأحداث التي تجري في العالم. فعالميةُ الرسالة المحمدية تستوجب أن يعم نورُها جميع القارات، حتى يخرج الصالحون المصلحون من دائرة الغربة إلى دائرة الكثرة والسعة، وذلك يحتاج إلى العلم بالله، وبشرع الله، وبسنن الله في دينه وخلقه وشرعه وكونه، والبيوتُ تؤتى من أبوابها. قال - تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189] الحكمة (1) : والشرع عند تطبيقه وتنزيله على الوقائع وعلى الناس، لا بد أن تصاحبه الحكمة. ونعني بالحكمة السدادَ في القول والتطبيقِ معًا، والصوابَ فيهما؛ والحكمةُ يدور معناها على هذا، وهي هبة من الله - عز وجل - يمنحها من يشاء من عباده من جهة، ومن جهة أخرى تُصقَل بالمعاناة والتجربة والخبرة. قال - تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] ، وهو ما يسمى إتقان العمل. والمراد بالحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، والإتقانُ يستدعي تبصُّرًا وعلمًا، فيتوقف مفهوم الحكمة على العلم، فالحكمة تمنع صاحبها من الجهل، والحكم يمنع من الظلم. والحَكَمة تمنع الفرس أن يجمح بصاحبه، والإحكام هو الفصل والتمييز، والفرق، والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه، ولهذا دخل فيه معنى المنع، كما دخل في الحد بالمنع، جزءُ معناه لا جميع معناه (2) .
وهذا المعنى للحكمة، يستمد من الوحي وبه يكون وينمو؛ لأن الوحي كله حكمة، وهو حكمة الله للأولين والآخرين. قال - تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2] فوظيفةُ النبوة التعليم والتربية، ولا فلاح إلا بهما، وأي أمة لم تصل مناهجها التعليمية إلى مستوى التزكية، فهي أمة ميتة، ميؤوس منها، والحكمة يتجلى عنصُرها جيدًا ويصبح ضروريًا عند التطبيق والتنزيل؛ فكم من قيلٍ هو حق في ذاته، لكنه لما أسيء فهمه عند التطبيق، ووضع غير مواضعه، اشمأز الناس منه ونفَروا، وابتعدوا عنه وتفرقوا، وهو حق يحمل في طياته جميع عناصرالحقيقة، ولهذا المعنى يشير قوله - تعالى: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] ؛ فالمَواطن التي تتطَلب فيها الأناة، لا ينبغي فيها العجلة، ومواطن الرفق واللين لا تجوز فيها الخشونة، ومَواطن القوة لا يجوز إظهار الضعف فيها؛ فكل مدعو يعامَل بأسلوب يناسبه، وهذا هو غاية الحكمة التي أمر الله بها في الدعوة.