وهذه الفطرة، هي التي ينبغي للدعاة أن يسعوا لإزاحة ما ران عليها من ركام الذنوب، وأوزار الآثام حتى غلَّفتها، ومنعت الحق أن يصل إليها، فلا بد أن تعود إلى حالتها الأولى نقية صافية، ثم تُملأَ بما ينفع من العلم والعمل الصالح، ولا بد من التخلية أولًا ثم التربية ثانيًا، وبهما معًا تصل النفوس إلى كمالها المنشود. وهذه العملية ليست بسهلة وميسورة ينجح فيها كل من ينسب نفسه للدعوة، ويحشر أنفه في صف الدعاة، وإنما ينجح فيها من آنس من نفسه الرشد، واتصف بأوصاف: هي شرائط لهذا الأمر، لا ينفذ ولا يتم إلا بها، وهي كالتالي:
العلم: فالداعية في حاجة إلى أن يكون على دراية تامة بما يدعو إليه وبأصناف المدعوين، حتى تنجح دعوته وتؤتي أكلها، وما يدعو إليه الداعية هو الإسلام، فلا بد أن يصل إلى مستوى البصيرة والرسوخ فيه، قال - تعالى - مبينًا هذا الشرط: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] . فما لم يصل الداعية إلى مستوى البصيرة فيما يدعو إليه، فإنه ـ بلا ريب ـ سيخفق في دعوته.
والبصيرةُ تعني أن يكون متقنًا لأصول هذا الدين وفروعه، وما يُتوصل به إلى ذلك من وسائل، وأن يكون مجتهدًا نسبيًا في ذلك، قادرًا على إلحاق المتجددات بمناطاتها التي ترتبط بها، ولا يكفي الداعيةَ أن يتعلم مقدارًا ضئيلًا من أحكام هذا الدين، ويعتقد أنه به ينقذ الحيارى والهلكى؛ فالداعية المؤثِّر المقتدر، هو من يتصرف في العلوم المطلوبة، ويقدر على ذلك، لشدة ممارسته لها، وطول عكوفه عليها، حتى أصبحت مَلَكة وسجية له، يستطيع بها أن يوجد لكل نازلة حكمها الشرعي الملائم. وأما من اقتصر على الضروريات التي لا بد من معرفتها، أو أتقن جوانب دون أخرى، فحسبُه أن يقتصر في دعوته على ما يعلمه ولا يتعداه؛ فإن فعل فهو من جملة الدعاة، لكن ليس بالمعنى الذي تقرره الآية، ولا يمكن أبدًا أن تستقيم الدعوة ولا أن تنجح، في غياب دعاة وصلوا إلى مرتبة البصيرة في الدين وأحكامه وواقعِه الذي ينزَّل عليه ويعالَج به؛ فهذه الدرجة، ينبغي للأمة أن تهيئ لها جماعات يصلون لهذا المستوى، وإلا ضاع الدين وضاعت الأمة بضياعه، وكما تنفق الدولُ ميزانيات لتكوين أطر علمية مقتدرة في الاقتصاد، والصناعة، والسياسة، وتعتمد آراءهم وتخطيطاتهم؛ فكذلك يجب عليها أن تنفق بالمقدار نفسه أو أكثر منه على تكوين دعاة بصراء بهذا الدين، قادرين على التجديد فيه، والاجتهاد في مضامينه، وفق القواعد والأصول المقررة المسلَّمة؛ وبذلك يكون التجديد في الخطاب والوسائل، مواكبًا للتجديد في الأحكام والاجتهاد في النوازل، حتى يحور بذلك إلى الإسلام من بحث عن حلول لمشاكله في غيره، فيستعيد ثقته بدينه، ويعوَّل عليه في حل طوارئه.