فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 830

وعن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم ـ ونحن عنده ـ: «طوبى للغرباء! فقيل: مَنِ الغرباء يا رسول الله؟ قال: أناس صالحون في أناسِ سوءٍ كثيرٍ، من يَعصيهم أكثر ممن يطيعهم» (4) . فهذان الحديثان، فيهما وصف أهل الغربة بأنهم قلة، وأنهم صالحون مصلحون، وأنهم بين كثرة فاسدة، لذلك يعملون للإصلاح، ويحاولون إزالة الفساد؛ وهذا يدل على غيرتهم وتمام قيامهم بواجبهم، فليسوا يائسين مستسلمين، ولا قابعين في بيوتهم، يتأوهون على ما صار إليه الحال من غربة الدين، مسَلِّمين بالأمر الواقع، بل هم على العكس، متحركون، فاعلون، إيجابيون، مواصلون، متشبثون بالدين، منافحون عنه، موسعون لدائرته، متحدُّون لكل العراقيل الموضوعة في طريقهم. قال ابن تيمية ـ شارحًا لهذا الحديث ـ: وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام، جزِع، وكلَّ، وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر، والتوكل، والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون...وهذا الحديث يفيد المسلم أنه لا يغتر بقلة من يعرف حقيقة الإسلام، ولا يضيق صدره بذلك، ولا يكون في شك من دين الإسلام كما كان الأمر حين بدأ، وقد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون في بعض الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريبًا (5) ، وقال ابن القيم: «فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جدًا، سُمّوا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، و أهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع، فيهم غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين، أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًا، فلا غربة عليهم … وغربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم: {وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم» (1) .وهذا هو الفهم السليم لأحاديث الغربة، لا ما جنح إليه من لم يفقه عن الله ورسوله مرادهما.

ب ـ ما الواجب على العلماء في زمن الغربة أن يفعلوه؟

الواجب على العلماء مما ألزمهم الله به وفرضه عليهم، هو وظيفة الدعوة إلى الله - تعالى -، والأمرِ بالمعروف بالمعروف، والنهي عن المنكر بلا منكر. قال - تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] .

فهذه الآية تقرر فضيلة الدعوة والدعاة، وأنه لا أحد أفضل عملًا، وأكثر أثرًا، وأنفع خلقًا من الدعاة إلى الله، العاملين بالصالحات، المصلحين بالآيات البينات، وهل من فضيلة فوق فضيلة تربية الخلق، ودلهم على الله، وإيصالهم به، وحثهم على ملازمة هديه، وتبصيرهم بطريقه ومنهجه؟ فقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خير لك من حمر النعم» (2) فهذه الفضيلة قد يستقلها من لا يزن الأمور بميزان الشرع، ولا يعقلها بهديه، ويعدُّها مبالغة وترغيبًا، لكن لو أمعن النظر لعلم أن كل مهدي ومتعلمِ خيرٍ على يد رجل، فإنه يكتب له أجره في كل ما عمله من خير، دون أن ينقص ذلك من أجره شيئًا، وإذا هُدي أو تَعلَّم على يد ذلك المهدي الأول أحدٌ آخر، فإن أجره يكتب للهادي الأول والثاني، دون أن ينقص ذلك من أجر العامل شيئًا، وهكذا ما استمرت عملية الهداية تتعاقب في الأجيال.

ولهذا فأجور هذه الأمة المحمدية وحسناتها تكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه الهادي الأول لها، ولا ينقص ذلك من أجر العاملين شيئًا، وهذا يستفاد من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده، كُتِب له مثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعُمل بها بعدَه، كُتِب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء» (3) ويزداد الأجر، وتعظم المثوبة في زمن الغربة، الذي يقلُّ فيه النصير، ويندُر فيه المواخي، ويكثر فيه المخالف، ويَنزُر فيه الموافق، ويشتد فيه الابتلاء، وتعظم المحنة، مما يستدعي مضاعفة جهد الداعية، على واجهات عديدة، كلها مشرعة الأبواب، تنتظر من يلجها ليعالج بالإسلام مشاكلها، ويزيلَ بالوحي عقباتها، ويمهد بذلك السبيلَ للمستضعفين، المغلوبين، لينعموا بنعمة الإسلام، ويتفيؤوا ظلاله، ويستنشقوا عبيره، ويشعروا بنسيمه يدب في أوصالهم، ويتواصلوا بروح جديدة تحيي منهم ما اندثر ـ أو أوشك أن يندثر ـ من معالم الفطرة؛ فطرةِ هذا الدين التي قال الله - عز وجل - فيها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت