فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 830

القراءةُ الصحيحة لأحاديث الغربة، هي فهمها على أنها مبشرات لعودة هذا الدين لمسرح الحياة كما كان، ومقدماتٌ لانتشاره ودخوله كل بيت من مدَر أو وبَر، ولا ينبغي أن نُؤيِّس المسلمين ونشل حركتهم، ونُفقدهم الأمل في دينهم بما يُفهم أولَ وهلة من بعض هذه النصوص؛ فهذه النصوص إذا ضمت لأشباهها، وفُهمت في سياقها، فإنها تفيد أن غربة الدين ما هي إلا مرحلة عارضة، تمر منها الأمة، ولا تستقر فيها ولا تدوم عليها، ثم تعود إلى المرحلة الطبيعية التي هي انتشار هذا الدين بين العالمين، وبلوغُه ما بلغ الليل والنهار؛ ففي حديث ثوبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» (1) . فهذا الحديث من أعظم الأحاديث الدالة على أن الله تكفل باستمرار هذا الدين، وأنه يبعث له في كل زمان حماة يحمونه ويلتزمون به، ويدافعون عنه إلى يوم القيامة، وهذه الطائفة ما انقطعت ولن تنقطع بضمان الله - عز وجل - لاستمرارها، وذاك يشجع المسلم أن يكون من جنود هذا الدين، ويدفعُه أن ينخرط في سلك هذه الطائفة المنصورة، حتى تتحقق له بشارة الثبات على الحق والدفاع عنه، والانتظام في جماعة أهله، فيضاعف المسلم جَهده ليكون على الحق، ويكون ممن يظاهر الحق ويناصره. وفي حديث تميم الداري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر» (1) . وكان تميم الداري يقول: قد عرفتُ ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخيرُ والشرفُ والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذلُّ والصَّغار والجزية. ففي هذا الحديث بشارة صريحة أن هذا الدين سيعم الكرة الأرضية، وأنه لا يبقى بيت إلا دخله، أبى ذلك من أباه أو قَبِله من قبله، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن غربة الدين وغربة أهله لا تستمر، وأنها ليست قانونًا حتميًا؛ كما يفيد الحديث أن العزة ستعود للمؤمنين، وأن الذلة ستلحق الكافرين، ولو عَلوا وطغوا وتجبروا بما أتوا من قوة وجبروت، لكن يبقى أن يتحرك المسلمون وأن يعملوا جميعًا لتحقيق هذا الوعد والتعجيل به، فالله ـ - تعالى -ـ قد تكفَّل لدينه بالظهور، ويبقى تنفيد الوعد بأيدي المسلمين حتى لا يفهم أحد من هذه البشارات التواكل، والاسترخاء، وعدم العمل، وترك التبليغ، والركون إلى الدَّعة، بحجة أن الله سينصر دينه لا محالة؛ فهذا الفهم ليس بسليم، فالله - تعالى - سينصر هذا الدين بنا، وإن تخلينا فسينصره بغيرنا. قال ـ - تعالى -ـ: {وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38] ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54] فما أحوجنا إلى رجال يحققون وعد الله، ويستنزلون نصر الله، ويكونون رحماء بإخوانهم المؤمنين، ويوم تتحقق فينا هذه الأوصاف، فإننا سنخرج من دائرة الغربة إلى دائرة الكثرة والشمولية. وفي حديث ثوبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله زوى ـ ضم وجمع ـ لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زُوي لي منها» (2) فهذا الحديث علم من أعلام النبوة، وإخبار صادق بأن ملك هذه الأمة سيبلغ المشرق والمغرب، وأن الخلافة على منهاج النبوة ستعود، وفيه تحفيز للعاملين للإسلام وتثبيت لهم، وشحذ لعزائمهم إلى العمل البنَّاء الذي تسود فيه الرحمة والمحبة، كما فيه إيقاظ الغافلين، وتحميس المتواكلين، وبعث الأمل في نفوس اليائسين، وقطع الطريق على المتربصين. وفي إطار هذه البشارات الثلاث التي تدل عليها هذه الأحاديث، يمكن أن تُفهم أحاديث الغربة، التي يستعملها أعداء هذا الدين سلاحًا للتأييس، وتثبيط الهمم؛ فعن عبد الله بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء. قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت