قالوا: (هي الدار التي تكون فيها الغلبة لغير المسلمين، أو التي تظهر أحكام الكفر، ولا يمكن إظهار أحكام الإسلام فيها) (47) .
ودار الكفر تنقسم إلى دارين: دار حرب، ودار عهد.
أولًا: دار الحرب:
(هي الدار التي يكون بينها وبين ديار المسلمين حرب قائمة أو متوقعة، ولا يربطنا معها عهد ولا صلح) .
فهذه الدار ليست في حالة سلم مع المسلمين بسبب موقفها العدائي الصارخ، كاعتداء عسكري فعلي، أو صد عن دين الله، أو عدوان على الدعاة، أو إعانة من يحاربنا ويسلب أرضنا، وما شابه ذلك.
ومن هنا أوجب الله على المؤمنين اتخاذ الحيطة والحذر للذَود عن حِياض الإسلام وأهله في أي بقعة من بقاعه، التي تتحدد بوجوده فيها، فنظرة الشعوب غير المسلمة إلى هذا الدين وأتباعه، نظرة عدائية ماكرة حاقدة. ودار الحرب دار إباحة بإجماع الفقهاء (48) .
ثانيًا: دار العهد:
الفرع الأول: تعريف المعاهدة:
المعاهدة هي موادعة المسلمين وأهل الحرب مدة معلومة على ترك القتال -بعوض وبغير عوض- وعلى شروط يلتزمونها (49) .
وأجمع الفقهاء على أن أهل الهدنة هم الذين صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم -سواء أكان الصلح على مال أو بدونه- لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الهدنة (50) .
وعلى هذا التعريف، فلا تعتبر دار العهد من دار الإسلام إذا لم يستول المسلمون عليها ويتمكنوا من إقامة شعائر دينهم فيها باتفاق (51) ، سواء أكان الاستيلاء قد تمّ عنوة وقهرًا أم صلحًا، وسواء أكان الصلح على أن تبقى الأرضون لنا أم لهم، مقابل خراج (52) أو جزية (53) ، وتبقى من دار الكفر لعدم التزام حكم الإسلام فيها، ولعدم ظهوره.
وإذا ما تحققت شروط الصلح وتوفرت أصوله العامة، فحكم الإسلام فيه أنه يجب الوفاء بكل الالتزامات والعهود، وعلى هذا إجماع العلماء (54) .
ومن شرط الوفاء بالعهد، محافظة العدو -المعاهد لنا- عليه بحذافيره من نص القول وفحواه ولحنه المعبر عنهما في هذا العصر بروحه (55) . قال تعالى: (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) (التوبة: 7) .. وهنا يجب التنبه إلى نقطة هامة وبالغة الخطورة، قد يغفل عنها بعض الباحثين هي: فمع وجوب مراعاة العهود والاستقامة عليها، فإنه يلزم الإمام الحيطة والحذر والترقب الدائم لحركات العدو المعاهد، ورصد سلوكياته، وعدم أمن جانبه وترك الثغور رهوًا. إن الحقد لا ينمحي بمجرد حبر على ورق، وهم لا يرقبون فينا إلاًّ ولا ذمة، فيحرم علينا أن نترك الإعداد لمجرد العهد، فيطمع فينا كل وضيع وحقير، وخاصة أننا مستهدفون بالقتل والرد عن الدين، قال تعالى: ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) (البقرة: 217) .
الفرع الثاني: موجبات عقد الموادعة والأمان:
قال المفكر السياسي الإسلامي الماوردي: (وعقد الهدنة موجب لثلاثة أمور) (56) :
الأول: الموادعة في الظاهر: وهو الكف عن القتال، وترك التعرض للنفوس والأموال.. (وقد أجمع الفقهاء على أنه إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان، أو بموادعة، حرم تعرضه لشيء من دمٍ ومالٍ وفرجٍ منهم، إذ المسلمون على شروطهم) (57) .
والمعروف أن الدول اليوم لا تمنح أي راغب في دخول أراضيها تأشيرة دخول إلا على أن يلتزم بدساتيرها وقوانينها العامة التي تقضي بتحريم السرقة والغش وأكل أموال الآخرين بالباطل والاعتداء وما شابه ذلك، وهذا العرف مقارن لحصول الشيء بل سابق عليه.
(وحكم الإسلام فيه أنه يجب الوفاء به ولو لمشرك، ما لم يتضمن شرطًا فاسدًا فيه معصية لله) (58) ، وعليه يحرم كذلك قتل نفوسهم، أو إزهاق أرواحهم أو خطفهم والتنكيل بهم، عملًا بقانون الوفاء بالعهد الذي هو (قاعدة العبادة لله وتقواه) (59) .
الثاني (60) : (ترك الخيانة في الباطن، وهو ألا يُسِرُّوا بفعل ما ينقض الهدنة لو أظهروه، وهذا يستوي الفريقان في التزامه) .
الثالث: المجاملة في الأقوال والأفعال، فعليهم أن يكفوا عن القبيح من القول أو الفعل، ويبذلوا للمسلمين (أحسن) القول والفعل، ولهم علينا الأول (القول) دون الثاني (الفعل) أ.هـ.
قلت: مجاملة المعاهدين لنا بالأفعال لا يوجد في الشرع ما يمنعه، بل قد يكون دافعًا لتقبل الإسلام لدى الكثيرين واعتناقه، وهذا هو غاية الجهاد الأولى في الإسلام (61) .
* المبحث الأول: حكم إقامة المسلم في ديار الكفر
* المبحث الثاني: موقف المسلمين المقيمين في ديار المخالفين حال تعرضهم لاعتداء من أهلها
* المبحث الثالث: من أحكام العبادات
* المبحث الرابع: المعاملات
* المبحث الخامس: النكاح
* المبحث السادس: العادات والحياة اليومية
نقرر هنا قاعدة عظيمة من أهم قواعد الشرع وهي:
أن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين يتبع المسلم أينما حل وأقام، وأن ديار غير المسلمين ليست بناسخة لشيء من أحكام الشريعة، فما وجب في ديار المسلمين وجب في ديار غيرهم، وما حرم فهو كذلك، وكذا ما أبيح طالما أن المرء يعتنق مبادئ الدين.