وقد وقع اختيارنا في هذا الفصل على ستة مباحث كانت على النحو التالي:
الأول: حكم إقامة المسلم في ديار الكفر
لما كان الأصل في دار الإسلام، أن المسلم فيها يَقْدِر أن يمارس عبوديته لخالقه، ويُعان عليها، وتُوفَّر له وسائلها، ويُذكّر إن قصر فيها، مع شعوره بالأمن والطمأنينة، شرعت الهجرة إليها، بل أُمر بها.
والهجرة في الأصل: (الترك، فعلًا كان أو قولًا) (62) . وتأتي بمعنى: (الخروج من أرض إلى أرض) (63) حسًا.
وفي الاصطلاح: هي هجر المقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكّنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: (والرجز فاهجر) (المدثر: 5) (64) .
أو هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام (65) .
وأقول بداية: الأصل أن المسلم لا يقيم إلا في دار المسلمين، وإذا أقام في غيرها فلعذر مع بقاء نية الخروج منها متى رفع السبب، وتهيأت الظروف (لأن نية الاستمرار في دار الكفر لا تحل بلا مبرر شرعي) (66) .
حكم الهجرة:
حكم الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى إمكانية المسلم ومقدرته على إقامة شعائر دينه بأمان تام، وبعدم خشية الفتنة في دينه ودين أهله وعياله، فإن كان لا يقدر على إظهار دينه ويخاف الفتنة والاضطهاد فيه أو في دين أسرته، ففي هذه الحالة تجب عليه الهجرة متى استطاع عليها، بالإجماع (67) .. واستدل لذلك بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فألئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) (النساء: 97-99) .
ففي هذه الآية أوجب الله على المسلمين الذين يقيمون بين ظهراني المشركين، وليسوا متمكنين من إقامة الدين، أوجب عليهم الهجرة بشرط المقدرة والطاقة. وقالوا: إن الآية عامة في كل مسلم، فقوله تعالى: (ظالمي أنفسهم) ، أي بترك الهجرة وبارتكاب الحرام بالإقامة بين الكافرين، من غير أن يتمكن من أداء واجباته الدينية، إن كان قادرًا بأي وجه وبأي حيلة، لأنه غير معذور.
وقوله تعالى: (إلا المستضعفين) ، وهذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وهم مَن كان استضعافه على حقيقة من زَمَنَةِ الرجال، وضَعَفَة النساء والولدان، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين بأي سبب، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق.
يقول القرطبي: (يجوز ترك الهجرة عند فقد الزاد والراحلة) (68) .
قلت: ومفهوم الزاد والراحلة اليوم، توفر السيولة المالية لديه، والوسيلة التي تنقله.
يقول ابن عباس: (كنتُ أنا وأمي من المستضعفين الذين عذر الله، هي من النساء وأنا من الولدان) (69) .
فإن حمل العاجز على نفسه وتكلّف الخروج أُجر، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم لهؤلاء المستضعفين في صلاته (70) .
وقال العلماء: (إن هذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة في حق من أسلم في دار الكفر وفتن في دينه، وقدر على الخروج منها) (71) .
ثانيًا: قول النبي صلى الله عليه و سلم: (أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تتراءى(72) نارهما) (73) .
وحديث معاوية وغيره مرفوعًا، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) (74) .
فحملَ العلماءُ الهجرة في هذين الحديثين على مَن خاف الفتنة واضطهد، وقالوا: (أُمر المسلمون بالانتقال إلى حضرة النبي صلى الله عليه و سلم، ليكونوا معه فيتعاونوا، ويتظاهروا إن حَزَبَهم أمر، وينضموا إلى المؤمنين في القيام بنُصرة الرسول، ويتعلموا منه أحكام الدين ويتفقّهوا فيها، ويحفظوا عنه، وينقلوه) (75) .
وكانت فرضًا في عهد النبي صلى الله عليه و سلم على الأعيان، واستمرت بعده لمن خاف (76) الاضطهاد في حريته الدينية.
ومما هو جدير بالذكر أن الهجرة ليست عملية انسحابية هروبية، ولكنها انتقالية من دار الباطل الجبار العنيد إلى دار الحق للالتزام به علانية، وتكثير سواد أهله، والاستعداد معهم للكر على تلك الدار التي حالت دون إسماع الناس دعوة الإسلام.
فالهجرة بالمفهوم القرآني هي تحيز إلى فئة، وهي جماعة المسلمين.
ومن شروط وجوب الهجرة، توفر حرية الانتقال، والدار التي يفر إليها المسلم بدينه.. وبإلقاء نظرة على واقع دار الإسلام المعاصرة، نجد أن هذه الدار غير مؤمنة وغير مهيئة تهيئة كاملة تمكّنها من استقبال عشرات الملايين من المسلمين المضطهدين في العالم. هذا إذا سمحت لهم السلطات بدخولها أصلًا، أو أذنت لهم سلطات بلادهم بالرحيل عنها (77) .
ويمكن القول: إن المسلمين الذين يُفتنون في ديارهم من أجل عقيدتهم، وهم غير قادرين على الهجرة، هم معافون إن شاء الله من الإثم، وسوف يُسأل عنهم دينًا مَن تسبب في حدوث هذه الشقاوة والتعاسة لهم، مع قدرته على رفع هذا الحرج عنهم.