فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 830

ويقول محمد أبو زهرة رحمه الله: (إن الإسلام ما سلَّ سيفًا على طالب حق، وما اعتدى على أحد، ولكن كان اعتداء غاشم، وكان ملوك أرهقوا رعاياهم، وضيّقوا عليهم، ومنعوهم من أن يصل إليهم نور الحق، وقتلوا مَن آمنوا بالحق الذي أدركوا، والدين الذي ارتضوا، فكان قانون التعاون أن يرد كيد الظلم، وأن يرفع عن تلك الشعوب المنكوبة بحكم الطغاة نير العبودية والاسترقاق، وقد كانت -أي الحرب- لذلك، وأن السكوت في هذه الحال ليس من التعاون، بل والحرب العادلة هي التعاون، لأنها منع للفتنة في الدين) (40) .

قلت: هذا القول لا يخرج عن دائرة الصواب.

فالناظر في سيرة النبي صلى الله عليه و سلم والمتمعن فيها، تتأكد في قرارة نفسه هذه المقولة (41) . فمشركو قريش كانوا أشد الناس عداوة لمحمد صلى الله عليه و سلم، فلم يتركوا وسيلة ولا سبيلًا يُضعفه أو يضعف من شأن دعوته بل يقضي عليه إلا سلكوه، بدءا بتكذيبه في مكة واضطهاده مع أتباعه، وانتهاءً بغزوة الأحزاب، تلك الغزوة التي حشدت لها قريش كل ما تملك، وجاءت بقَضِّها وقَضِيضِها، يؤازرها في ذلك من يواليها من القبائل العربية المشركة، ويتفق معها في العقيدة، بتحريض من أعداء الله يهود بني قريظة لوأد ذلك الحق الذي قلب الموازين، وغيّر نظام المجتمع السائد، وبعد أن انجلى الأحزاب عن المدينة، قال النبي صلى الله عليه و سلم: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم) (42) .. لماذا؟

لرد الاعتداء وظلم الظالمين، الذين ما برحوا يثيرون مخاوف المسلمين، ويفتنونهم عن دينهم بشتى صنوف التعذيب، ويخرجونهم من ديارهم، ويستولون على أموالهم!

وأما القبائل العربية الأخرى، فكانت منقسمة في ولائها بين فارس والروم، وقد بلغ تهديد تلك القبائل وتخويفهم للمسلمين مبلغه بتحريض من متبوعيهم.

اقرأ ما قاله عمر رضي الله عنه: (...وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبتُ أتاني بالخبر، وإذا غاب كنتُ آتيه بالخبر، ونحن نتخوّف ملكًا من ملوك غسان، ذُكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه...) (43) .

وأما الفرس والروم، فيكفي منهما أنهما كانا يؤلبان القبائل التابعة لهما للقضاء على أي قوة، أو عقيدة تجمع الناس من جديد، وتنافسهم في المنطقة الموالية لهما للانفراد بالتسلط والسيطرة، ولم يكتفوا بذلك، بل إن (هرقل) أخذ يضطهد من أسلم من عرب الشام، ويقتلهم، وكان (كسرى) (قد أرسل من يأتي برأس الرسول الأمين) (44) ، حين أرسل إليه كتابه يدعوه فيه إلى الإسلام، ورَفْعِ الحجب عن عقول وضمائر رعيته، بالإضافة إلى تهديدهما الفعلي للدولة الإسلامية.

وتكفي هذه الجرائم لتحمل الرسول صلى الله عليه و سلم وخلفاءه من بعده للخلاص من هاتين القوتين الباغيتين، اللتين وقفتا من الدعوة وأصحابها موقف الجبار العنيد، لما أصبح للمسلمين من قوة ضاربة قادرة على دك عروش القياصرة والأكاسرة.

فالحرب في الإسلام ليست هجومية لدك أبواب الكافرين، المسالمين منهم والمعاندين، والله سبحانه ما أراد إفناء الكفار ولا خلقهم ليُقتلوا كما قال ابن الصلاح.. وليست هي دفاعية تنتظر من يغزو ديار المسلمين، ثم تهب لتقاتلهم بعد أن يصبح زمام المعركة في يد المعتدين، وإنما هي دفاعية عن الإسلام ودعوته وأهله، تحريرية هجومية تهجم على مَن يقف في وجه الدعوة، بحسب ما يقتضيه الموقف، بلا بغي ولا عدوان.

يقول صاحب كتاب: (علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى) : (وهذه الصلة القائمة -بين المسلمين والمخالفين- على العقيدة لتتخذ شكل منهج متكامل العناصر، ليواجه مختلف الاحتمالات بما يناسبها من عناصر هذا المنهج، وإن استخدامها ليدور مع مصلحة الدعوة وجودًا وعدمًا، فلا يعقل وصفها بأنها دفاعية أو هجومية، وإنما الوصف الملائم لها، أنها عنصر من عناصر المنهج الذي تواجه الدعوة به مختلف الاحتمالات والظروف) (45) .

وكنت أتمنى على مَن كتب من المعاصرين عن دوافع الجهاد، واعتبره هجوميًا، وشنّع على المخالفين لمذهبه تشنيعًا قاسيًا عنيفًا -أخرجه من دائرة الباحث المنصف الملتزم بأخلاقيات وآداب البحث العلمي- واعترض عليهم بأنهم لم يعولوا على تفاسير السلف الصالح للآيات المتعلقة بالقتال وأحكامه، التي احتجوا بها، تمنيت على هؤلاء المعترضين أن لو اطلعوا على تفسير الطبري، الذي هو قِبلة المفسرين من بعده وشيخهم، وهم عيال عليه في هذا الفن، وتفسيره تفسير بالمأثور، وهو أسبق من تفسير ابن كثير والشوكاني وغيرهم، من الذين اعتمد عليهم القائلون بأن الجهاد في الإسلام للهجوم، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى (46) .

المبحث الثالث: أقسام ديار غير المسلمين بحسب موقفهم من الإسلام وأهله:

جرت عادة فقهائنا الأقدمين على تقسيم الدنيا إلى دارين رئيسين هما: دار الإسلام ودار الكفر. واشتقوا وصف كل دار من عقيدة أهلها، وطبيعة النظم السياسية الحاكمة، والقواعد القانونية المسيطرة فيها.

وتأسيسًا على هذا الاعتبار سُميت بلاد غير المسلمين بدار الكفر.

فماذا قال فقهاؤنا في تعريفها، وما هي أقسامها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت