فشريعة محمد صلى الله عليه و سلم ناسخة لجميع الشرائع السماوية والملل الأرضية، ومهيمنة عليها، لها صفة الدوام والخلود، فهي المرحلة النهائية لدين الله، وكلمته الأخيرة للبشرية، لذا فإن الناس جميعًا مخاطبون بها على سبيل الوجوب، وعليهم جميعًا الاستجابة لتعاليمها. فهي دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها جميعًا، وهي منهاج حياة فاضلة تبتغي رقي الإنسان، عقلًا ووجدانًا وأخلاقًا.
جاءت هذه الشريعة لتستوعب الحياة كلها، واتسعت لتخاطب الجن أيضًا وتدعوهم إليها، فهي إذن ليست بإقليمية ولا عنصرية، بل عالمية عامة، وبناءً عليه فهي تعترف بمجتمعات المخالفين اعترافًا واقعيًا بطبيعتهم الإنسانية.
ومادامت هذه هي طبيعتهم، فأساس العلاقة بينها وبين أهل الملل الأخرى هي علاقة دعوة، وهداية بالحجة، وبيان بالمنطق والبرهان، وتعتبر المخالفين لها في ضلال وعلى أباطيل، قال تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) (الحج: 62) .
وقد اختلف فقهاؤنا حول توصيل هذه الدعوة إلى المخالفين على فريقين:
الفريق الأول: وهم جمهور الأقدمين، يرى أن تعدّ القوة، وتجهز الجيوش، ثم تسير إلى ديار المخالفين، وقبل البدء بالقتال يخيّرون بين الإسلام والجزية (29) -إن كانوا من أهلها- والحرب (30) .
كما يرى أن أصل العلاقة بين الإسلام والكفر هو الحرب، وأما السَّلْم (31) فهو أمر استثنائي ولظروف طارئة، وسبب هذه الحرب هو الكفر، كقوله تعالى: (واقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) (البقرة: 193) . وقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (التوبة: 5) . وقوله: (وقاتلوا المشركين كافة ) (التوبة: 36) .
وفسّروا (الفتنة) الواردة في الآية الأولى بمعنى الشرك، أي قاتلوهم حتى لا يبقى شرك، وتزول الأديان الباطلة فلا يبقى إلا الإسلام.
واستدلوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه و سلم: (أُمرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله...) (32) الحديث.
الفريق الآخر: وهم جمهور الباحثين من المعاصرين، وقلة من المتقدمين: يرى أن أصل العلاقة مع المخالفين هو السلم، وأما الحرب فهي أمر طارئ مستثنى.
وقالوا: إن على الدولة إعداد الدعاة وتأهيلهم، لبثهم في ديار المخالفين لنشر نعمة الله (الإسلام) بينهم، ودعمهم بكل ما يقتضيه العمل في حقل الدعوة، مع بقاء علاقات المسلمين بغيرهم على أساس الأمن والمسالمة، لا على أساس الحرب والقتال، إلا إذا أرادت دار الكفر بالدعاة سوءًا، لتفتنهم عن دينهم، وتصدهم عن الدعوة إليه، فعندئذ يجب قتالهم، لأن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية، ومن ثَمَّ فهي أشد من القتل، لأنه يجب أن تُتاح الفرص المعقولة لإفهام الجماهير ما تُدعى إليه.
ولا يجوز بدء الكافرين بقتال إلا في حالة اعتدائهم على الدين، أو على الدولة الإسلامية، أو في حالة نقضهم للعهود، أو لنصرة المستضعفين.
فالحرب ما هي إلا أداة لإزالة الطواغيت، التي تحول بين الناس وبين سماع الدعوة، والتي تريد الانفراد بالضمير البشري وتدّعي حق الألوهية وخصائصها، ولتقرير سلطان الله في الأرض وكلمة الله وعدله. فالحرب إذن هي سياج لفكرة الحق والعدل، وعدم البغي والعدوان، التي ما فتئ القرآن يقررها في كل مناسبة (33) .
يقول سيد قطب رحمه الله، عند قوله تعالى: (وَيَكُونَ الدِّينُ لله) : (استعلاء دين الله في الأرض، بحيث لا يخشى أن يدخل فيه من يريد الدخول، ولا يخاف قوة في الأرض تصده عن دين الله أن يبلغه، أو يستجيب له، وأن يبقى عليه. إنه الجهاد للعقيدة لحمايتها من الحصار، وحمايتها من الفتنة) (34) .
واستدلوا على ذلك بما يلي:
من القرآن قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) (البقرة: 190) . وقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) (البقرة: 256) . فأفادت أن وسائل القهر والإكراه، ليست من طرق الدعوة إلى الدين، لأن الدين أساسه الإيمان القلبي والاعتقاد، وهذا الأساس تكوّنه الحجة لا السيف.
وقوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) (الأنفال: 61) .
وقالوا: إن المأثور المتواتر من سيرة النبي صلى الله عليه و سلم، وخلفائه الذين ساروا على هداه، أنهم لم يقاتلوا إلا الأعداء المعتدين على الإسلام والمسلمين بدءا، أو نكثًا بعد عهد.
ورد الفريق الأول بأن هذه الآيات منسوخة بآية السيف.
وقالوا: وقد عمت الآية جميع المشركين، وعمت البقاع إلا ما خصصته الأدلة من الكتاب والسنة (35) .
والحقيقة أن القول بالنسخ (36) فيه خلاف واسع بين الفقهاء والمفسرين، مع اتفاقهم على أن لا نسخ إلا بدليل (37) . فالقضية إذًا خلافية، والفيصل في ذلك سيرة النبي صلى الله عليه و سلم، وهديه في الغزو والجهاد.
يقول محمد عزة دروزة رحمه الله (38) : (من الثابت أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقاتل إلا الأعداء المعتدين، والناكثين لعهودهم) (39) .