فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية في نصرهم، وتوليتهم إياهم في الحرب لكانوا منهم (6) ، واتفق الصحابة على ذلك ما عدا عليًا رضي الله عنه (7) ، وصالحهم عمر رضي الله عنه على الجزية (8) .
وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره ذبائحهم ونساءهم، ولم يحرمهما (9) .
ثانيًا: المجوس:
المجوس قوم يعظمون الأنوار، والنيران، والماء، والأرض، ويقرون بنبوة زرادُشت (10) ، وقيل: كان له كتاب، ولهم شرائع يقرون بها، وهم فرق شتى (11) .
واختلف الفقهاء: هل المجوس أهل كتاب أم لا؟ على قولين:
القول الأول: وهو قول جماهير الأمة، أنهم ليسوا بأهل كتاب (12) .
القول الثاني: وهو قول الشافعي، أنهم أهل كتاب.
فقد قال في الأم (13) : (والمجوس كانوا أهل الكتاب، يجمعهم اسم أنهم أهل كتاب مع اليهود والنصارى) . وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان للمجوس كتاب يقرؤونه وعلم يدرسونه، ولكنه رفع (14) .
وقال الصنعاني: (ولا يخفى أن في قول النبي صلى الله عليه و سلم:(سنوا بهم سنة أهل الكتاب) (15) ، ما يشعر بأنهم ليسوا بأهل الكتاب) (16) .
قلت: ومما يؤيد رأي الجمهور، عدم حل ذبائحهم ونكاح نسائهم، باتفاق أهل العلم إلا (أبا ثور) (17) . ومن جهة أخرى، فإن قول علي رضي الله عنه والشافعي رحمه الله خلاف ما تدل عليه آية: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ) (الأنعام: 156) ، إذا نحن أخذنا بظاهرها، لتصبح لدينا ثلاث طوائف بدل اثنتين.
أماكن وجودهم: توجد في إيران في الوقت الحاضر طائفة من المجوس، يبلغ عددها المليون تقريبًا، ولهم معابد ونيران (18) لا يدعونها تخمد لحظة واحدة (19) .
ثالثًا: الدهريون:
الدهريون ينكرون الخالق، ويقولون: لا إله ولا صانع للعالَم، وأن هذه الأشياء وجدت بلا خالق.. فهم قد عطلوا المصنوعات عن صانعها، وقالوا ما حكاه الله عنهم: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) (الجاثية: 24) .
وقال تعالى عنهم أيضًا: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) (الأنعام: 29) .
والدهر هو مر الزمان الطويل، وطول العمر، واختلاف الليل والنهار.
وقالت فرقة منهم: إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، وإن العالَمَ دائمٌ لم يزل ولا يزال (20) .
وهؤلاء قديمًا، يتفق معهم حديثًا -في أصل نظرتهم للكون والحياة- الشيوعيون.
والشيوعية: مذهب فكري يقوم على الإلحاد -أي إنكار وجود الله سبحانه، والغيبيات كلها- وأن المادة هي أساس كل شيء.
وتُفسِّر الشيوعيةُ التاريخَ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي.. وشعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس (21) ، ولينين (22) ، وستالين (23) ، ونكفر بثلاثة: الله، والدين، والملكية الخاصة!
وينكرون الآخرة، ويؤمنون بأزلية المادة، ويحاربون الأديان (24) ، والملكية الخاصة (25) ، ومن شعاراتهم العسكرية: بالحديد والنار تنتصر الثورة.
عُرفت الشيوعية بالقسوة والعنف والإبادة الوحشية للمخالفين لها، لكن التطورات الأخيرة فيما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي حملت انفراجًا للأديان.
رابعًا: المشركون:
سمي هؤلاء بالمشركين نسبة إلى الشرك.. والشرك: هو أن يتخذ المرء من دون الله ندًا (أي مثلًا ونظيرًا) يحبه كحبه، ويعظمه كتعظيمه، ويعبده كعبادته، وهذا هو حال مشركي العالم، إذ يسوون آلهتهم برب العالمين (26) .
وقد سُئل النبي صلى الله عليه و سلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) (27) .
فهؤلاء المشركون يقرون بربوبية الله تعالى في الجملة، وأنه الخالق المالك، ولكنهم لا يفردونه -سبحانه- وحده بالعبادة والتوجه، بل يجعلون معه غيره -ليقربهم إلى الله- مما يستحسنونه من الأصنام والأوثان والشمس والملائكة والنيران والأنَاسِيّ، وغير ذلك.
ومن ملل أهل الشرك ذوات النفوذ والانتشار والأغلبية في ديارها، نذكر: الهندوسية، الكونفوشيوسية، البوذية، السيخية.
المبحث الثاني: موقف الشريعة من المخالفين وأصل علاقتها بهم
مما هو في نطاق اليقين، بإجماع الأمة سلفًا وخلفًا، أن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية، لقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107) . وقوله: (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرًا لكم) (النساء: 170) . وقوله: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا) (الأعراف: 158) .
وفي الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قبلي) .. وذكر منها: (وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة) (28) .