فهرس الكتاب

الصفحة 820 من 830

(يمنع بيع ما خرب من ربع الحبس مطلقًا ،.... وعبارة الرسالة: ولا يباع الحبس وإن خرب ... وفي الطرر عن ابن عبد الغفور: لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة ، لأنها وقف ، ولا بأس ببيع نقضها إذا خيف عليه الفساد للضرورة إلى ذلك ) (التاج والإكليل 6/42 )

وجاء في الهداية من كتب الفقه الحنفي:

( ومن اتخذ أرضه مسجدًا لم يكن له أن يرجع فيه ، ولا يبيعه ، ولا يورث عنه ، لأنه تجرد عن حق العباد ، وصار خالصًا لله ، وهذا لأن الأشياء كلها لله تعالى ، وإذا أسقط العبد ما ثبت له من الحق رجع إلى أصله فانقطع تصرفه عنه ، كما في الإعتاق. ولو خرب ما حول المسجد واستغني عنه يبقى مسجدًا عند أبي يوسف لأنه إسقاط منه ، فلا يعود إلى ملكه ) ( الهداية مع فتح القدير 5/446 )

إلا أن مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - في مثل هذا أن المسجد يجوز بيعه عندما وقع الا ستغناء عنه بالكلية ،

فقد جاء في المغني لابن قدامة:

( إن الوقف إذا خرب ، وتعطلت منافعه ، كدار انهدمت أو أرض خربت ، وعادت مواتًا ، ولم تمكن عمارتها ، أو مسجد . انتقل أهل القرية عنه ، وصار في موضع لا يصلى فيه ، أو ضاق بأهله ، ولم يمكن توسيعه في موضعه ، أو تشعب جميعه ، فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه ، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته ، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه ) (المغني مع الشرح الكبير 6/225 )

وهناك قول آخر ، وهو قول الإمام محمد بن الحسن الشيباني أن الوقف إذا استغني عنه تمامًا ، فإنه يعود إلى ملك الواقف أو إلى وارثه بعد موته ،

يقول صاحب الهداية:

( وعند محمد يعود إلى ملك الباني ، أو إلى وارثه بعد موته ، لأنه عين لنوع قربة ، وقد انقطعت فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنه ) (الهداية مع فتح القدير 5/446 ) فإذا عاد إلى ملك الواقف جاز بيعه بعد ذلك.

وقد استدل الجمهور على قولهم بعدم جواز البيع, وعدم انتقاله الى ملك الواقف , بقصة عمر -رضي الله عنه -بخيبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان من شرائط الوقف: أنه لا يباع أصلها , ولا تباع ولا تورث, ولا توهب . أخرجه الشيخان, وهذا لفظ مسلم في باب الوقف.

واستدل الإمام أبو يوسف للجمهور بالكعبة أيضًا, فإن زمن الفترة قد كان حول الكعبة عبدة الأصنام , وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية , ثم لم يخرج موضع الكعبة به من أن يكون موضع طاعة وقربة خاصة لله تعالى , فكذلك سائر المساجد , واعترض عليه ابن الهمام في فتح القدير 5/ 446 بأن الطواف لم يزل باقيًا في عهد الفترة أيضًا , فلم تترك العبادة المقصودة بالكعبة راسًا, وأجاب عنه العثماني التهانوني -رحمه الله - بأن القربة التي عينت لها الكعبة هي الصلاة إليها دون الطواف وحده لقوله تعالى عن إبراهيم -عليه السلام -بعد ذكر إسكانه وذريته عند البيت الحرام (ربنا ليقيموا الصلاة) ولم يذكر الطواف , وقوله (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين ) مفسر بالمسافرين والمقيمين كقوله (سواءً العاكف فيه والباد ) (انظر إعلاء السنن 13/212 )

ومن أقوى أدلة الجمهور في هذا الباب قول الله تعالى (وأن المساجد لله )

قال ابن العربي:- إذا تعينت أصلا وعينت له عقدًا, فصارت عتيقة عن التملك, مشتركة بين الخليقة في العبادة ) (أحكام القرآن 4/1869 )

وأما الإمام أحمد فاستدل له ابن قدامة"بما روي أن عمر _رضي الله عنه- كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمارين , واجعل بيت المال في قبلة المسجد , فإنه لن يزال في المسجد مصلٍ" (المغني 6/226 )

وأجاب عنه ابن الهمام بأنه يمكن أنه أمره باتخاذ بيت المال في المسجد (فتح القدير 5/446 )

ويبدو أن المذهب الراجح في هذا ,مذهب الجمهور, فلا ينبغي أن يباع مسجد بعد ما تقرر كونه مسجدًا , وإلا صارت المساجد مثل كنائس النصارى , يبيعونها كلما شاؤوا , ولكن المسألة لما كانت اجتهادية, وعند الفريقين أدلة من الكتاب والسنة, فلو خيف الاستيلاء من قبل الكفار على مسجد ارتحل عن جواره أهله, ولم ترجَ عودة المسلمين إلى ذلك المكان , ففي مثل هذه الضرورة الشديدة يبدو أنه لا بأس بالأخذ بقول الإمام أحمد , أو محمد بن الحسن رحمهما الله تعالى - ، ويباع بناء المسجد ، ويصرف ثمنه إلى بناء مسجد آخر ، لا إلى مصرف سوى المسجد ، قد نص عليه فقهاء الحنابلة حيث قالوا: ( ولو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة ، لجاز تخريب المسجد ، وجعله سقاية وحوانيت ، ويجعل بدله مسجدًا في موضع آخر) (المغني 6/226 )

ثم إن جواز هذا البيع إنما يصار إليه إن تحقق انتقال جميع السكان مما حول المسجد ، ولم يرج عودهم إليه ، فإن انتقل أكثر السكان ، وبقي منهم بعض ، فلا سبيل إليه ، قد نصّ عليه فقهاء الحنابلة أيضًا حيث قالوا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت