قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: بعث النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى أهل المدينة فلما كان يوم الجمعة جمع بهم وكانوا أربعين وكانت أول جمعة جمعت ( [31] ) .
وجه الدلالة: أن هذا الأثر يدل على أن العدد الذي تنعقد به الجمعة هو أربعون رجلًا ، فاقتصر عليه إذ التجميع تغيير فرض فلا يصار إليه إلا بنص أو اتفاق ، ولم يثبت ذلك . مما يدل على عدم انعقاد الجمعة بأقل من هذا العدد ( [32] ) .
يناقش:
بأنه إن صح هذا الأثر فإن بلوغهم هذا العدد وقع اتفاقًا لا قصدًا فلا يصح الاستدلال به ، فلم يقل أنهم أمروا أن يجمعوا فلما بلغوا أربعين أقاموا جمعة، فلو كان لفظ الحديث هكذا لكان فيه شيء من الاستدلال . أما والحالة هذه فليس فيه شيء من الاستدلال ( [33] ) .
الدليل الثاني:
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره عن أبيه كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة ، قال: لأنه أول من جمّع بنا في هزم النّبيت ( [34] ) من حرة بني بياضة ( [35] ) في نقيع يقال له: نقيع الخضمات ( [36] ) ، قلت: كم أنتم يومئذ ؟ قال: أربعون ( [37] ) .
وجه الدلالة: حيث دل هذا الأثر على أن أول جمعة جمعت في المدينة كان عدد من جمع بهم أربعين مما يدل على أن هذا العدد هو العدد الذي تنعقد به الجمعة .
يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن فيه محمد بن إسحاق ، وهو مختلف فيه ( [38] ) .
الوجه الثاني: أن هذا العدد وقع اتفاقًا لا قصدًا فلا يصح الاستدلال به ؛ لأنه لم ينص على أنهم أمروا بإقامة الجمعة فلم يقيموها حتى بلغوا أربعين ، مما يدل على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة أربعين، بل قصارى ما أفاد هو أن العدد الذي أقيمت به أول جمعة في المدينة بناء على هذا الأثر هو أربعون.
الدليل الثالث:
عن جابر بن عبد اللَّه قال: مضت السنة أن في كل ثلاثة إمام أو في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطر ، وذلك أنهم جماعة ( [39] ) .
وجه الدلالة: أن هذا الحديث يفيد أن أقل عدد تنعقد به صلاة الجمعة وصلاة العيد هو أربعون . مما يدل على أنها لا تنعقد بأقل من ذلك .
يناقش: بأن هذا الحديث ضعيف ( [40] ) فلا يصح الاستدلال به ( [41] ) .
دليل القول الثالث:
عن أبي أمامة أن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"على الخمسين جمعة ليس فيما دون ذلك" ( [42] ) .
وجه الدلالة: أن هذا الحديث نص على عدم جواز انعقاد الجمعة بأقل من خمسين رجلًا . لأنها لا تجب على من هم أقل من ذلك .
نوقش: أن هذا الحديث ضعيف فلا يصح الاستدلال به ( [43] ) .
أدلة القول الرابع:
الدليل الأول:
عن جابر بن عبد اللَّه قال: بينا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قائم يوم الجمعة إذ قدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا فيهم أبو بكر وعمر . قال: ونزلت هذه الآية: { وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها } ( [44] ) ( [45] ) .
وجه الدلالة: أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم استمر في صلاة الجمعة مع أنه لم يبق معه بعد انصراف الناس للعير إلا اثنا عشر رجلًا ، وما يشترط للابتداء يشترط للاستدامة، فيكون أقل عدد تنعقد به الجمعة اثني عشر رجلًا ( [46] ) .
نوقش: أن هذا العدد الذي بقي مع النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وقع اتفاقًا ولم يكن قصدًا، فربما يبقى أكثر ، وربما يبقى أقل ، فلا يكون فيه دليل على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة اثنا عشر رجلًا ( [47] ) .
الدليل الثاني: أن مصعب بن عمير حين بعثه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جمع بهم وهم اثنا عشر رجلًا ( [48] ) .
نوقش من وجهين:
الأول: أن هذا لا يصح إسناده فلا يصح الاستدلال به ( [49] ) .
الوجه الثاني: أنه لو صح فإنه لا يكون فيه دليلًا على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة اثنا عشر ؛ لأنا نقول أن هذا العدد وقع اتفاقًا لا قصدًا . فربما لو اجتمع أقل من ذلك لجمع بهم مما يدل على أن هذا لا يدل على أن أقل عدد تقام به الجمعة اثنا عشر ( [50] ) .
أدلة القول الخامس:
الدليل الأول:
قال اللَّه تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللَّه وذروا البيع ...} الآية ( [51] ) .
وجه الدلالة: أن ما ذكر في الآية يقتضي مناديًا وذاكرًا وهو المؤذن والإمام والاثنان يسعون لأن قوله:"فاسعوا"لا يتناول إلا المثنى ، ثم مادون الثلاث ليس بجمع متفق عليه فإن أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع ، فالمثنى وإن كان فيه معنى الجمع من وجه فليس بجمع مطلق واشتراط الجماعة ثابت مطلقًا ( [52] ) .
يناقش: أن الخطاب في الآية لعموم المؤمنين بوجوب إقامة صلاة الجمعة إذا نودي لها . وأقل ما تتجه له صيغة الخطاب في الآية هم الثلاثة لأنهم أقل الجمع فتنعقد الجمعة بثلاثة لأنهم أقل الجمع .
الدليل الثاني:
عن أم عبد اللَّه الدوسية قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلاَّ أربعة" ( [53] ) .