الأصل في ذلك قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) (المائدة: 90) .
وقد فَهِمَ جمهور أهل العلم من قوله تعالى: (رجس) ، أن الخمر نجس حسًا ومعنى (112) . وقالوا: رجس: أي نجس. وقال ابن عباس: أي سخط. وقال مجاهد: ما لا خير فيه. وقال ابن جبير: إثم. وقال الطبري: إثم ونتن. وقال ابن أسلم: عذاب وشر (113) .
وقال الألوسي: (ليس معقولًا في معنى الآية إرادة الرجس بمعنى النجس، فالميسر مثلًا هو لعب القمار لا يعقل فيه نجاسة من طهارة) (114) .
قلت: بل أجمع الفقهاء على طهارة الميسر والأنصاب والأزلام (115) ، بالرغم من أن وصف (الرجس) عائد إلى الجميع، كما هو السياق لا إلى الخمر وحده.
قال الصنعاني: (والحق أن الأصل في الأعيان الطهارة. وأن التحريم لا يلازم النجاسة. فإن الحشيشة محرمة طاهرة، وكذا المخدرات والسموم القاتلة، ولا دليل على نجاستها. وأما النجاسة فيلازمها التحريم. فكل نجس محرم ولا عكس، وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع من ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها، بخلاف الحكم بالتحريم. فإن لبس الحرير يحرم(على الرجال) وكذلك الذهب (116) ، وهما طاهران، ضرورة شرعية وإجماعًا. فإذا عرفت هذا فتحريم الخمر الذي دلت عليه النصوص لا يلزم منه نجاسة، بل لابد من دليل آخر عليه وإلا بقينا على الأصل المتفق عليه من الطهارة، فمن ادعى خلافه فالدليل عليه، ولا دليل من الشريعة صريحًا أصلًا يدل على نجاستها، فتبقى على الأصل وهو الطهارة) (117) .
وبهذا الرأي قال ربيعة الرأي، والمزني من أصحاب الشافعي (118) ، والشوكاني ومحمد صديق خان.
وأضاف الشيخ محمد رضا (119) : (وإنما كان يصح إلحاق الشرع بالنجاسات الحسية، لو ورد الأمر الصريح بغسل ما أصابه شيء من الخمر، ولم يرد حديث صحيح أو حسن في ذلك) .
وكان الصحابة يشربونها، ولا يسلمون من إصابة أيديهم وثيابهم بشيء منها، ولو كانت نجسة لأمروا بالتنزه عنها قبل تحريمها.. ولا يقال: (إنها صارت نجسة بالتحريم، لأن النجاسة لا تختلف باختلاف الحكم، فهي إذًا طاهرة حسًا وشرعًا) (120) .
وأما الإمام النووي فلم يسلّم لأدلة الجمهور في نجاستها، وقال: (وأقرب ما يقال ما ذكره الغزالي، أنه يحكم بنجاستها تغليظًا وزجرًا) (121) .
قلت: وهذا أيضًا لا يسلم له، فالأزلام محرمة، ولم يقل أحد بنجاستها حتى ولو على سبيل التغليظ.
وأما أمر النبي صلى الله عليه و سلم بإراقتها فليس لنجاستها -والله أعلم- بل سدًّا للذرائع. فوجودها بصحبة شخص وقد ثمل واعتاد عليها سابقًا، قد يكون سبيلًا لشربها أو بيعها لعمق صلته وارتباطه بها، وكلاهما محرم بالإجماع.
أما الكحول: (وهو سائل عديم اللون، له رائحة خاصة، ينتج عن تخمر السكر والنشاء(وغير ذلك) ، وهو روح الخمر، والجمع كحولات) (122) .
حكمه: ما قيل في الخمر يقال فيه باعتباره خمرًا، لأنه مسكر، وكل مسكر حرام. وقد أفتت لجنة الأزهر بطهارته، واعتبرت الأشياء التي تضاف إليه لا تنجس به (123) . وفي فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا: (الكحول طاهرة مطهرة، ولا وجه لتحريمها ولا يحرم منها شيء) (124) .
وعليه فيجوز التعطر بالعطور الإفرنجية التي تضاف إليها مادة الكحول (وهي نسبة قليلة) والادهان بها، باعتبارها طاهرة غير نجسة.
(وكذا بعض أنواع الصابون، والشامبو، وكريم الحلاقة، وغيرها، مما يدخل الكحول في صناعتها) (125) .
وجاز شراؤها وبيعها باعتبار أن نسبة الكحول المسكرة في العطور وغيرها تتحلل بالمواد الأخرى، ولا تظهر وتنقلب إلى حقيقة أخرى (126) .
المسألة الثالثة: طهارة الكلب (127) :
للفقهاء في طهارة عين الكلب ونجاسته ثلاثة أقوال:
أولًا: أنه نجس حتى شعره، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد في إحدى الراويتين عنه.
ثانيًا: أنه طاهر حتى لعابه، وهو المشهور من قول مالك والمالكية.
ثالثًا: أنه طاهر عدا ريقه ولعابه، وهذا هو الصحيح من مذهب الحنفية، والرواية الأخرى عن أحمد (128) .
قلت: وأولى الأقوال بالصواب، قول من قال: إنه طاهر عدا لعابه، فإنه نجس دون سائر بدنه، وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلا بدليل.
ولم يأت ما يدل على نجاسة شيء من الكلب، إلا ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا(129) وزاد مسلم: (أولاهنّ بالتراب) (130) .
فدل الحديث على نجاسة لعاب الكلب وفمه، إذ هو محل استعمال النجاسات بحسب الأغلب، ومكان اللهاث (131) يتنجس باللعاب دون سائر بدنه، وأنه يغسل الإناء سبعًا. وبوجوب غسل الإناء سبعًا قول الجماهير (132) .
وذهب أبو حنيفة إلى عدم وجوب العدد في إزالة شيء من النجاسات، وقال: إنما يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه منها. واستدل الحنفية بما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في الكلب يلغ في الإناء: (يغسل ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا) . وقالوا: فدل الحديث على التخيير.
وأجيب بأن الحديث ضعيف (133) .