فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 830

ورجح ابن رشد أمر النبي صلى الله عليه و سلم بأنه للندب والإرشاد مخافة أن يكون الكلب كَلِبًا (134) ، يدخل على شارب سؤره أو مستعمل الإناء قبل غسله منه ضرر في جسمه، والنبي عليه الصلاة والسلام ينهى عما يضر الناس في دينهم ودنياهم، لا لنجاسة، إذ هو محمول على الطهارة.

فإذا ولغ الكلب المأذون في اتخاذه في إناء فيه ماء أو طعام لم ينجس الماء ولا الطعام، ووجب أن يُتوقى من شربه، أو أكله، أو استعمال الإناء قبل غسله مخافة الضرر (135) .

وقد ثبت طبيًا أن لعابه يحوي جراثيم ضارة، تحتاج إلى مطهر قوي لإزالتها (136) . وهذا يقوّي نوعًا ما، ما ذهب إليه ابن رشد.

-المطلب الثاني: الصلاة

لا يخفى على كل مسلم أن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام الخمسة، وأن الله تعالى قد فرض خمس صلوات في اليوم والليلة، وأنها تجب على المسلم العاقل البالغ العالم بها، وأن من أنكرها فقد خرج من الملة.

ولمنزلتها العظمى في الإسلام، فقد حذّر الشرع، وتوعّد المضيعين لها، فقال تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) (مريم: 59) .

وجعل النبي صلى الله عليه و سلم: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (137) .

وفي هذا المطلب عدة مسائل يحتاج المسلم في ديار غير المسلمين إلى معرفتها، وهي:

المسألة الأولى: مواقيت الصلاة:

وهذه المسألة تنقسم إلى عدة أقسام، وتشمل: تعريف الميقات، ومواقيت الصلاة في البلاد المعتدلة، وكذا غير المعتدلة.

أولًا: في تعريفها لغة وشرعًا:

في اللغة: يقال وقت الله (بتشديد القاف وتخفيفها) الصلاة، أي: حدد لها وقتًا، والميقات: الوقت المضروب للفعل، والجمع مواقيت (138) .

في الشرع: المراد به (الوقت الذي عيّنه الله لأداء هذه العبادة(الصلاة) ، وهو القدر المحدود للفصل من الزمان (139) .

ثانيًا: في مواقيت الصلاة في البلاد المعتدلة:

وأعني بالبلاد المعتدلة: البلاد التي يحل فيها ليل ونهار، ويتمايزان عن بعضهما في كل أربع وعشرين ساعة.

والأصل في مواقيت تلك البلاد، ما رواه مسلم في صحيحه أن سائلًا سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه و سلم شيئًا (باللفظ والقول) ، وفي رواية بريدة، فقال له: (صل معنا هذين(اليومين ) ) . قال (راوي الحديث وهو أبو موسى الأشعري) : فأقام الفجر (أي النبي صلى الله عليه و سلم) حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا، ثم أمره (أي أمر النبي صلى الله عليه و سلم بلالًا) فأقام الظهر حين زالت (140) الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت (أي غربت) الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخّر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد احمرت الشمس، ثم أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول (وفي رواية: أن وقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط) (141) .

ثم أصبح فدعا السائل، فقال: (الوقت بين هذين) ، يعني أن وقت صلاتكم في الطرفين اللذين صليت فيهما، وفيما بينهما.

ثالثًا: في ضبط الصلاة في البلاد غير المعتدلة، كالقطبين وما يدخل في حكمهما:

إن ما ورد في الأحاديث الصحيحة من تحديد مواقيت الصلاة وضبطها، إنما هو للبلاد المعتدلة التي كان يقيم فيها النبي صلى الله عليه و سلم، وما يأخذ حكمها، ولكن ما الطريقة لضبط مواقيت الصلاة في البلاد التي لا شهور فيها ولا أيام معتدلة، بل قد تكون السنة في البلاد المعتدلة يومًا، كالجهات القطبية والإسكندنافية التي يطول نهارها صيفًا ويقصر شتاءً، أو البلاد الشمالية التي لا تغيب عنها الشمس إطلاقًا صيفًا وعكسه شتاءً، أو البلاد التي يتداخل ويتحد فيها وقتا العشاء والفجر في بعض أشهر السنة وهي البلاد التي يتجاوز موقعها خط العرض 84 شمالًا أو جنوبًا (142) .

سأعرض هنا أقوال الفقهاء في بيان تحديد وضبط أوقات الصلاة فيها، كما هي من كتبهم ثم أناقش وأرجح.

1-أقوال الحنفية:

جاء في فتح القدير ما نصه:

(ومن لا يوجد عندهم وقت للعشاء، كما قيل يطلع الفجر قبل غيبوبة الشفق عندهم، فقد أفتى البقالي بعدم الوجوب عليهم لعدم السبب وهو مختار صاحب الكنز(الزيلعي) (143) ، كما يسقط غسل اليدين من الوضوء عن مقطوعهما من المرفقين). ولا يرتاب متأمل في ثبوت الفرق بين عدم محل الفرض (وهو هنا اليدان المقطوعتان من المرفقين) ، وبين عدم سببه الجعلي (وهو هنا انتفاء علامة وقت العشاء) الذي جُعل علامة على الوجوب الخفي الثابت في نفس الأمر، وجواز تعدد المعرّفات للشيء، فانتفاء الوقت انتفاء للمعرّف، وانتفاء الدليل على الشيء لا يستلزم انتفاءه لجواز دليل آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت