معنى كلام ابن الهمام: (أنه إذا عدمت علامة دخول وقت العشاء، وهي غياب الشفق وعدم طلوع الفجر معه، باعتبارها علامة معرّفة له، ليس معناه أن الصلاة تسقط بعدمها، لوجود دليل آخر يدل على وجوبها، وإن لم توجد العلامة الدالة على الوقت) . ثم قال: وقد وجد (أي الدليل الآخر الدال على وجوب صلاة العشاء، بالرغم من عدم وجود علامتها) وهو ما تواطأت عليه أخبار الإسراء من فرض الله سبحانه خمسًا (أي الصلاة) ، بعدما أمروا بخمسين، ثم استقر الأمر على الخمس شرعًا (144) عامًا لأهل الآفاق، لا تفصيل فيه بين أهل قُطر وقُطر.
ثم ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر الدجال فقلنا (أي الصحابة) : وما لبثه في الأرض؟ فقال (أي النبي صلى الله عليه و سلم) : (أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم) . فقيل: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: (لا، اقدروا له قدره) (145) . فقد أوجب فيه ثلاثمائة عصر قبل صيرورة الظل مِثْلًا أو مِثْلين، وقس عليه.
فاستفدنا أن الواجب في نفس الأمر خمس على العموم، غير أن توزيعها على تلك الأوقات عند وجودها، فلا يقسط بعدمها الوجوب وكذا قال النبي صلى الله عليه و سلم: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد(146 ) ) (147) .
2-أقوال المالكية:
جاء في مواهب الجليل ما نصه: ورد في صحيح مسلم أن مدة الدجال أربعون يومًا، وأن فيها يومًا كسنة، ويومًا كشهر، ويومًا كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، فقال الصحابة: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة، أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: (لا، اقدروا له قدره) (148) .
قال القاضي عياض: (في هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شرعه لنا صاحب الشرع) وقال: (لو وُكلنا إلى اجتهادنا لاقتصرنا فيه على الصلوات عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام) ، ومعنى (اقدروا له قدره) ، أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم، فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر، وهكذا إلى أن ينقضي ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنة كلها فرائض مؤداة في وقتها.
وأما اليوم الثاني كشهر، والثالث الذي كجمعة، فقياس اليوم الأول.
3-أقوال الشافعية:
جاء في روضة الطالبين: أما الساكنون بناحية تقصر لياليهم ولا يغيب عنهم الشفق، فيصلون العشاء إذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق، في أقراب البلاد إليهم (149) . أي فإن كان شفقهم (شفق أقرب البلاد) يغيب عند ربع ليلهم مثلًا، اعتبر من ليل هؤلاء بالنسبة، لا أنهم يصيرون بقدر ما يمضي من ليلهم، لأنه ربما استغرق ذاك ليلهم (150) .
4-أقوال الحنابلة:
جاء في غاية المنتهى: ويُقدّر للصلاة أيام (الدجال) قدر المعتاد من نحو ليل أو شتاء ويتجه، وكذا حج وزكاة وصوم (151) ، وبمثله قال صاحب الإقناع (152) .
ولم أجد من تعرّض لمسألة فاقد وقت العشاء من الحنابلة.
ويتضح لنا من خلال سرد تلك النقول، أن جماهير العلماء يقولون بوجوب صلاة العشاء على أهل البلاد التي ينعدم فيها وقتها، وهو غياب الشفق، معتمدين في ذلك على عموم النصوص الآمرة بإقامة الصلوات الخمس، من غير تفريق بين إقليم وآخر، على سبيل الوجوب، وعلى حديث (الدجال) الآمر بالتقدير للصلوات، والمبيّن وجوبها، وإن لم يوجد سببها على وجه العموم.
رابعًا: أقسام البلاد غير المعتدلة، وكيفية ضبط المواقيت فيها:
تنقسم هذه البلاد إلى قسمين:
القسم الأول: قسم لا تغيب عنه الشمس لفترة ستة أشهر تقريبًا، ثم تغيب مطلقًا بقية السنة.
وهذه ينسحب عليها حديث (الدجال) ، فيقدر أهلها للصلوات الخمس، حيث يؤدونها كاملة في كل أربع وعشرين ساعة، معتمدين في ذلك على أقرب البلاد إليهم، والتي تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها عن بعض، وعليهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتبارًا بالأبعاد الزمنية التي بين كل صلاتين.
ويقاس على ذلك سائر الأحكام المتعلقة بالأيام والأهلّة، من عدة وصوم وزكاة.
يقول الشيخ محمد رضا: (أرأيت هل يكلف الله تعالى من يقيم في جهة القطبين، وما يقرب، أن يصلي في يومه وهو سنة، أو عدة أشهر خمس صلوات فقط؟ كلا، إن الآيات الكبرى على كون هذا القرآن من عند الله المحيط علمه بكل شيء، ما نراه فيه من الاكتفاء بالخطاب العام الذي لا يتقيد بزمان من جاء به ولا مكانه) .
فأطلق الأمر بالصلاة، والرسول صلى الله عليه و سلم بيّن أوقاتها بما يناسب حال البلاد المعتدلة، التي هي القسم الأعظم في الأرض، حتى إذا وصل الإسلام إلى أهل تلك البلاد التي أشرنا إليها، يمكنهم أن يقدروا للصلوات باجتهادهم، والقياس على ما بينه النبي صلى الله عليه و سلم من أمر الله المطلق، فيقدروا لها قدرها.. ولكن على أي البلاد يكون التقدير؟ قيل: على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع كمكة والمدينة، وقيل: على أقرب بلاد معتدلة إليهم، وكل منهما جائز، فإنه اجتهادي لا نص فيه (153) .
وقد أفتت هيئة كبار العلماء في السعودية، في دورتها الثانية عشرة، بالتقدير على أقرب البلاد التي تتمايز فيها أوقات الصلاة المفروضة (154) .