فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 830

قلت: وفي كلٍّ خير، ولكن بشرط أن يتفق مسلمو تلك البلاد، ومراكزها على بلد معين، حتى لا تختلف صلواتهم في البلد الواحد، فتصلي جماعة بتوقيت مكة، وتصلي الأخرى بتوقيت أقرب البلاد، فيحصل الشقاق والاختلاف، وكل محرم منهي عنه.

القسم الثاني: قسم تتميز فيه الأوقات عدا العشاء، فإنه يتحد مع الفجر.

فالراجح من أقوال جماهير أهل العلم، وجوب صلاة العشاء على تلك البلاد وحُرمة تركها. ولكنهم اختلفوا في وقت أدائها، وفي النية لها، هل تؤدى أداء أم قضاء؟

قلت: الأظهر والأقرب إلى النص (حديث الدجال) ، أن يقدر المسلمون في تلك البلاد لوقت العشاء بأقرب البلاد، فتكون صلاة العشاء فيها أداءً، وصلاة المغرب فيه قضاء، لانتهاء وقتها حسب التقدير، وهو قول المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، حيث حدد درجة 45ْ للقياس عليها، وهي درجة إحدى المناطق في فرنسا، يغيب الشفق فيها قبل طلوع الفجر (155) . وفي هذا التقدير رفع حرج، وفيه يسر، ويصلح لبريطانيا وما جاورها.

المسألة الثانية: حكم الصلاة في معابد أهل الكفر:

ذهب جمهور الفقهاء إلى كراهة الصلاة في الكنائس وغيرها من معابد أهل الشرك، وعللوا الكراهة بوجود الصور فيها، ولأنها ملعونة، ولأنه لا يتعبد الله في بيوت أعدائه، ولأنها مأوى الشياطين كالحمّام.

وقد روى البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور) ، ولا فرق بين أن تكون المعابد عامرة أو دارسة (أي تقادم عهدها) .

وذهب الإمام مالك إلى القول بالمنع مطلقًا، وهو رواية عن أحمد.

وذهب بعض أصحاب أحمد إلى الجواز مطلقًا (156) .

قال ابن تيمية: (والصحيح أنه إن كان فيها صور لم يصل فيها، لأن الملائكة (ملائكة الرحمة لا الحفظة، لا تدخل بيتًا فيه صورة(157) ، وأما إذا لم يكن فيها صور فقد صلى الصحابة في الكنيسة) (158) .

وإذا جازت الصلاة في كنيسة مع خلوها عن الصور، جازت في أي معبد آخر لا يوجد فيه صور.

ويظهر من كلام الجمهور أن من صلى فيها مع وجود التماثيل فصلاته صحيحة مع الكراهة (159) ، وإن كان الأَولى أن ينأى المسلم في صلاته عن مثل هذه الأماكن إذا توفرت له أماكن أخرى ولم يحتج إليها.. أما إذا اضطر إلى الصلاة فيها كخوف برد، أو عدم توفر محل آخر، جازت بلا كراهة، ولا إعادة عليه (160) ، فكل أرض مصلى للمسلمين (إلا ما تيقنا نجاسته) (161) ، لقول النبي صلى الله عليه و سلم: (وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل) (162) .

ولقدأجاز المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، استئجار الكنائس للصلاة، ولكن أوصى بتجنّب استقبال التماثيل، فإن لم يمكن فإنها تستر بحائل إذا كانت باتجاه القبلة (163) .

وهنا أهيب بالمسلمين أن يوفروا ما يحتاجون إليه من مساجد ليستغنوا عن معابد أهل الشرك، وأن يبذلوا في سبيل ذلك ما يقدرون عليه. وأنبه إلى أن معابد أهل الكفر يحرم إطلاق (بيت الله) عليها بالإجماع.

وأما الصلاة في المقابر فقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أن المقابر ليست بموضوع للصلاة، وأما الصلاة على الثلج فقد صح عن ابن عمر أنه صلى عليه (164) .

المسألة الثالثة: الجمع للحاجة:

لا أقصد به جمع السفر، أو المطر، أو المرض، وإنما الجمع الذي يرفع الحرج والمشقة في غير الأعذار السابقة.

فمثلًا هناك بعض البلاد يتأخر فيها غياب الشفق إلى ما بعد منتصف الليل في بعض أيام السنة، وهناك بلاد يطول فيها بعض أشهر السنة، ويقصر الليل إلى أربع ساعات، وهناك الموظف والطالب الذي لا يتمكن من أداء الصلوات في أوقاتها لتتابع العمل وضيق الوقت المخصص للراحة، وهناك الشيخ العجوز والصبي.

فجميع هؤلاء يجدون حرجًا وعسرًا ومشقة في أداء بعض الصلوات في أوقاتها المحددة شرعًا، وخاصة أنهم في بلاد غير إسلامية، لا تراعي شعور المسلم في ذلك ولا تقيم لعبادته وزنًا ولا اعتبارًا (165) .

فهل يجب على من يغيب الشفق عنده بعد منتصف الليل، أن ينتظر وقت العشاء ليؤديها في وقتها، وهو ملتزم في صبيحة ذلك اليوم بعمل؟ مع احتياجه للنوم والراحة؟

وهل يجب على مَن ليله أربع ساعات أن يؤدي ثلاث صلوات فيها مع هجران النوم انتظارًا للصلاة، وهو أيضًا مرتبط بعمل، وكل الأعمال تتطلب ذهنًا صافيًا، وبدنًا معافىً، وهذا بدوره متوقف على مدى ما يحصل عليه الإنسان من راحة وسبات، أم أن هناك رخصة يمكن أن يلجأ إليها المسلم عند الحرج والمشقة، باعتبار (أن المشقة تجلب التيسير) ، وأن الحرج مرفوع في ديننا لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج: 78) ، وأن الأمر إذا ضاق اتسع؟

انعقد الإجماع على أنه لا يجوز في الحضر أن تصلى الصلاتان معًا في وقت واحد لغير عذر (166) . ثم اختلفوا في هذه الأعذار.

فاتفقوا على أن الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم في وقت الظهر بعرفة، وبين المغرب والعشاء جمع تأخير في وقت العشاء بمزدلفة، سنة للحجاج، وعلى ذلك اقتصر الحنفية (167) .

وجوّز المالكية الجمع للمقيم بسبب المطر، والطين، والمرض، رخصة توسعة بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء (168) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت