وجوّزه الشافعية بسبب المطر الذي يبلّ الثياب، وذهب جماعة منهم إلى جوازه بسبب المرض، والطين، والخوف (169) .
وزاد الحنابلة في رواية: الثلج، والبرد، والريح الشديد البارد، والمرضع، والمستحاضة، وما في معناها، والمعذور والعاجز عن الطهارة لكل صلاة، وعن معرفة الوقت، ولمن خاف على نفسه، أو ماله، أو عرضه، ولمن خاف ضررًا يلحقه في معيشته بترك الجمع، وقالوا: يفعل الأرفق به، من تأخير الأولى إلى وقت الثانية أو تقديم الثانية إليها (170) .
وليس هناك -فيما وقفت عليه- أدلة صحيحة صريحة تدل على جواز الجمع لكل عذر مما ذكره الحنابلة.
قال الإمام الشافعي: (والجمع في المطر رخصة لعذر، وإن كان عذر غيره لم يجمع فيه، لأن العذر في غيره خاص وذلك كالمرض والخوف، وما أشبهه، وقد كانت أمراض وخوف فلم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جمع. والعذر بالمطر عام، ويجمع بالسفر للخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولا رخصة في الجمع إلا حيث رخّص النبي) (171) .
ولكن يمكن أن يستدل للحنابلة (الذين هم أوسع المذاهب الأربعة في الجمع) ، بما رواه مسلم وغيره، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر.
قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته (172) .
وهو مروي أيضًا عن ابن مسعود من طريق ضعيف كما قال الهيثمي، ولكن خالفه الشوكاني وصحح تلك الرواية (173) .
فدلّ الحديث على جواز الجمع الحقيقي، بشرط تحقق الحرج والمشقة عند عدم الجمع، لقوله: (أراد أن لا يحرج أمته) .
ومن هذا الحديث استنتج الجمهور جواز الجمع للمرض وما في معناه. وقالوا: (إن مشقة المرض فيه أشد من المطر) (174) .
قلت: فإذا جاز الجمع بسبب المرض لما في الصلاة بوقتها معه من المشقة، جاز بأي عذر يترتب على ترك الجمع ضيق وحرج لا يحتمل، ويشترط ألا يتخذ ذلك عادة، وألا يتوسع فيه.
وممن قال بهذا: ربيعة، وابن المنذر، وأشهب، وابن سيرين، وعبد الملك من أصحاب مالك، والظاهرية (175) . وبه قال الشيخ محمد أبو زهرة (176) ، والشيخ يوسف القرضاوي، الذي يرى جواز (الجمع بين الصلاتين في حالات نادرة، وعلى قلةٍ، لرفع الحرج والمشقة) (177) .
وبالنسبة لمن يتأخر عندهم غياب الشفق، أو يقصر ليلهم، فليأت من الصلوات في أوقاتها ما يقدر عليه (178) ، فإن غلبه النعاس فنام وفاتته الصلاة فليصل ما فاته عند استيقاظه -فإنه ليس في النوم تفريط- على الترتيب.
وأما من وجد مشقة معتبرة في انتظار الصلاة، وخاف إن نام ألا يقوم للصلاة، وذلك يعرف بالعادة، فهناك رواية عند الحنابلة فقط بجواز الجمع بغلبة النعاس (179) .
وهنا يجب التنبيه إلى أمر جد خطير وهو: أن إساءة استعمال هذه الرخصة التي ترفع المشقة والحرج، وذلك باتخاذها عادة لتحقيق غاية الراحة، وبالتوسع فيها من غير عذر معتبر، يبطل الصلاة.
فإن العلماء قد أجمعوا على أن الصلاة في غير وقتها بغير عذر شرعي باطلة، وكأنه لم يصلها، لأن الوقت لها شرط صحة.
المسألة الرابعة: صلاة الجمعة:
(أجمع العلماء على أن الجمعة واجبة، وفرض عين، وأن تركها إثم بلا خلاف) (180) ، لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) (الجمعة: 9) .
وجاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (لينتهين أقوام عن وَدْعِهِم(تركهم) الجُمُعات أو ليَخْتِمَنَّ اللهُ على قلوبِهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين) (181) .
وقتها:
ذهب جمهور العلماء إلى أن وقت الجمعة هو بعد الزوال (182) .
وإن وقعت قبله فلا تجوز، إلا عند أحمد وابن راهويه وعطاء لما رواه مسلم: (كنا نصلي مع رسول الله الجمعة ثم نرجع فنريح نواضحنا(أي إبلنا) حين تزول الشمس).
قلت: ومجموع الأحاديث يدل على أنها تصح حال الزوال وقبله (183) .
وفي المغني والشرح (184) : المستحب إقامتها بعد الزوال للأدلة وفي ذلك خروج من الخلاف.
قلت: إن اضطرت جماعة في دار الكفر إلى تقديمها على الزوال بدافع المشقة والظروف الحرجة فيمكن أن يعملوا بقول أحمد ومن معه، وهو قول ابن عباس والشوكاني (185) ، على ألا تتقدم عن الزوال بوقت طويل، لأن الحديث الذي استدل به أحمد يدل على أن الزوال يبدأ بعد الانتهاء من الخطبة والصلاة حسب ظاهره.
وإن لم تكن هناك مشقة، أقيمت بعد الزوال وهو عمل السلف.
وقد أجاز الإمام مالك الخطبة قبل الزوال دون الصلاة (186) .
وأما عن آخر وقتها، فالجمهور على أنه آخر وقت الظهر.
ثالثًا: هل تصح الخطبة بغير العربية؟
أجمع العلماء على أن الخطبة شرط (187) . فهل تصح بغير العربية؟
أقول بداية: إن توفر إمام يحسن إقامة الجمعة، لهو من فروض الكفايات، بحيث لو قصرت جماعة أثموا جميعًا بالتقصير، لقوله تعالى: (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا) (التوبة: 39) .