ولعل مجال استعمال هذه القاعدة في النظر الفقهي المتعلق بأحوال الأقليات المسلمة هو أوسع من أي مجال آخر من مجالات النظر الفقهي؛ ذلك لأن الضرورة في حياة الأقليات المسلمة يختلف تطبيقها عنه بالنسبة لحياة المسلمين في المجتمع الإسلامي، بل قد يتسع مفهومها أيضا بين الوضعين، إذ المسلمون بالبلاد الأوربية محكومون بقانون الوضع المخالف في كثير منه لأحكام الشرع، وهم ملزمون بأن ينفذوا ذلك القانون في حياتهم الاجتماعية، وذلك مجال واسع للضرورة لا نظير له في البلاد الإسلامية، ثم إن الضرورة في ذاتها تخضع في ميزان التقدير لنسبية واسعة، فبعض ما يكون غير ضروري في مجتمع ما لإقامة الحياة يكون ضروريا لذلك في مجتمع آخر، وذلك بالنظر إلى تفاوت المجتمعات في بنائها الأساسي من بساطة وتعقيد، وانفتاح وانغلاق، وتلاحم وتفكك، وغير ذلك من الصيغ التي تبنى عليها المجتمعات، وكل تلك الفروق فروق قائمة بشكل بين بين المجتمع الأوربي الذي تعيش به الأقليات المسلمة وبين المجتمع الإسلامي في البلاد الإسلامية.
وتبعا لذلك فإنه مما يقتضيه التأصيل لفقه الأقليات أن تؤخذ هذه القاعدة الأصولية العامة بمعالجة خاصة توجه فيها توجيها تطبيقيا على أحوال الأقليات المسلمة بأوربا، فتدرس في نطاقها وبحسب مقاصدها أحوال الضرورات في حياة المسلمين بهذه البلاد، وتقدر مقاديرها بالقسط، منظورا فيها إلى معطيات من خصوصيات الأوضاع في تلك الحياة مما لم يكن منظورا في حياة المسلمين بالمجتمع الإسلامي الخاضع لسلطان الدين، لتصبح بتلك المعالجة الخاصة موجها أصوليا مهما في فقه الأقليات.
ثالثا ـ قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد:
هي جملة من القواعد الأصولية التي تلتقي عند معنى الموازنة بين ما ينتهي إليه فعل ما من الأفعال أو وضع ما من الأوضاع من المصلحة وما ينتهي إليه من المفسدة، فيبنى الحكم الشرعي على نتيجة تلك الموازنة أمرا إذا رجحت المصلحة، ونهيا إذا رجحت المفسدة، وذلك من مثل قاعدة درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وقاعدة مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الأفراد، وقاعدة المصلحة الدائمة مقدمة على المصلحة الظرفية، وقاعدة أن الحرام القليل لا يحرم به الحلال الكثير إذا اختلط به، وما شابهها من قواعد أخرى مبنية على الموازنة بين المصالح والمفاسد.
وإذا كان لجملة قواعد الموازنات هذه تطبيقات مقدرة في الاجتهاد الفقهي العام، وتوجيهات مؤثرة فيه، ونتائج بينة في الأحكام الناتجة به، فإن لها مجال استعمال أوسع من ذلك في النظر الفقهي بأحوال الأقليات المسلمة؛ وذلك لأن المجتمع حينما يكون إسلاميا محكوما بسلطان الشرع يكون تمايز المصالح والمفاسد فيه على قدر من الوضوح، ويكون مجال المتشابهات بينهما ضيقا، فظواهر الصلاح وآثاره الناتجة من المواقف والأفعال، وكذلك ظواهر الفساد وآثاره تكون قريبة الوقوع من زمن حدوث أسبابها، فتبدو متمايزة جلية التمايز، مما يسهل على الفقيه الموازنة بينها، وبناء حكمه الفقهي على تلك الموازنة، ولكن المجتمع الأوربي الذي تعيش به الأقلية المسلمة لا تتمايز فيه بسرعة وجلاء مظاهر الفساد وآثاره من مظاهر الصلاح وآثاره لشدة تشابكه وتعقيده، ولا يغرنك في ذلك ما يبدو من تمايز صارخ بين الصلاح والفساد في التصرفات الأخلاقية السلوكية، فإن مجال الصلاح والفساد الذي نعنيه في هذا المقام هو مجال الحياة الاجتماعية بمعناه الشامل سياسة واقتصادا وتربية وعلاقات إنسانية، وهو أوسع بكثير من المجال الأخلاقي.
وبناء على ذلك فإن هذه القواعد الأصولية المتعلقة بالموازنة بين المصالح والمفاسد يقتضي النظر التأصيلي لفقه الأقليات أن يأخذها بالعناية، فيصوغها بما يستجيب لمقتضيات ذلك الفقه، ويوجهها بالدرس والتحليل والإثراء لتكون معيارا منهجيا أصوليا يمكن من الموازنة بين المصالح والمفاسد في نطاق خصوصيات الوجود الإسلامي بالمجتمع الأوربي، ويكشف عما قد يخفى عن كثير من الأنظار في غياب هذا التأصيل من وجوه التراجح بين ما يحدثه موقف أو فعل من مفسدة صغيرة آنية وما يؤول إليه من مصلحة كبيرة مستقبلية تمكن للإسلام والمسلمين، أو بين ما يحدثه موقف أو فعل آخر من مصلحة صغيرة آنية وما يؤول إليه من مفسدة كبيرة مستقبلية تتعلق بتشتيت الإسلام والمسلمين، فيبنى الفقه إذن على ما فيه من الأحكام رجحان للمصالح الحقيقية بمقاييسها الشرعية.
رابعا ـ قاعدة: يجوز فيما لا يمكن تغييره ما لا يجوز فيما يمكن تغييره: