هذه القضية من قضايا الولاء والبراءة، ولذلك لابد من بيان معنى الولاء وأقسامه وأحكام كل قسم، ثم يمكن بعد ذلك تطبيق سؤال السائل عليه:
الولاء: مصدر والى يوالي موالاة ، وهو المحبة والقرب والدنو والمناصرة، وهو ضد البراء والمعاداة ، وحقيقته إضمار المودة في القلب وإظهارها في الأقوال والأفعال محبة ونصرة وهو على أقسام:
الأول: الولاء لله ولدينه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين، فهذا من حقائق التوحيد والإيمان وهو واجب على كل مسلم .
الثاني: الموافقة والمناصرة والمعاونة والرضا بأفعال من يواليهم العبد، وهذه هي الموالاة العامة التي إذا صدرت من مسلم لكافر عدَّ صاحبها كافرًا، ومن الموالاة العامة: الدفاع عن الكفار وإعانتهم بالمال والبدن والرأي ومحبة انتصارهم ، وهذا كفر صريح يخرج من الملة، ويسمى (التولي) وهو أخص من الموالاة ، وداخل ضمن مفهومها .
والتولي: مصدر تولّى أي اتخذه وليًا ، وهو بذل المحب لما يرضي المحبوب بذلًا تامًا ، والتولي أخص من الموالاة ، فكل تولٍ داخل في مفهوم الموالاة ، وليس كل موالاة داخلة في مفهوم التولي ، بل موالاة الكفار موالاة مطلقة عامة تعدُّ كفرًا صريحًا .
وهذه الموالاة مرادفة لمعنى التولي وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار ، وأن من والاهم فقد كفر كما قال - تعالى:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم" [المائدة: 51] فالتولي يفيد معنى الاتخاذ والالتزام الكامل بمن يتولاه ، بخلاف الموالاة التي تدل على المحبة والمتابعة بدرجات متفاوتة ، وبين التولي والموالاة عموم وخصوص .
والتولي المأمور به أصل عظيم في دين الله كما قال تعالى:"ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون" [المائدة:56] ويكون ذلك بحب الله - تعالى - وحب ما يحبه وبغض ما يبغضه، وحب رسوله - عليه الصلاة والسلام - وكتابه وحب دينه وأهل دينه ومناصرتهم ، وبغض أعداء دينه ومجاهدتهم.
الثالث: الموالاة الخاصة وهي المصانعة والمداهنة للكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد وعدم إضمار نية الكفر والردة عن الإسلام ، فهذه كبيرة من الكبائر ، وبين هذا القسم والذي قبله وهو التولي مراتب ، ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم بحسب نية الفاعل وقصده .
وفي القسم المذكور من أمور الولاية العامة أمور وهي: الالتزام بدستورها ونظامها وهو - بلا شك - كفري، ومنها حمل السلاح والقتال معها وهذا لايجوز،ويكون من أفعال الكفر إذا كان في قتال المسلمين، وهذا ما تفعله أمريكا اليوم في أفغانستان والفلبين وفعلته في الصومال، وقد تفعله غدًا في العراق أو إيران أو غيرها من بلاد المسلمين .
وخير للمسلم أن يكون في إحدى بلاد المسلمين- ولو حصل له بعض الضيم والعنت- من البقاء في الغرب حيث الكفر والفساد واستبطان العداوة للمسلمين، والتخطيط لذلك واستيلاء اليهود ومتطرفي النصارى على زمام الأمور،لاسيما وقد تبين لكثير من الناس مقدار ضخامة الخدعة المسماة ( الديموقراطية) والعدل وحقوق الإنسان، وخاصة بعد الأحداث الأخيرة.
وهناك حالة الاضطرار التي يكون فيها بعض المسلمين مطاردًا أو ملاحقًا أو مضطهدًا في بلده ويتوقع حصول الأذى الشديد عليه، وليست لديه القدرة على العيش في بلاد المسلمين، ولا القدرة على الهجرة إلى بلاد تؤويه من بلدان المسلمين، وليس أمامه سوى بلاد الكفار، فيجوز له في هذه الحالة، شريطة أن يكون مبغضًا للكفار يعتقد البراءة منهم، مع قيامه بالدين علمًا وعملًا حسب المستطاع.
وأصل هذا الحكم الاستثنائي ما حصل للصحابة الكرام - رضي الله عنهم - حين هاجروا إلى الحبشة، وقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم مخرجًا"هذا لفظ ابن هشام في السيرة (2/164) والحديث في دلائل النبوة للأصبهاني (103) وتاريخ الطبري (1/546) ، وتفسيره (9/249) .
وعندما رجع - صلى الله عليه وسلم - من الطائف ومنعته قريش، طلب الحماية من بعض كفار مكة فأجاره المطعم بن عدي فدخل مكة واعتمر، وبهذه الحماية استطاع - صلى الله عليه وسلم - العيش في مكة آمنا، رواه ابن هشام (2/244) ، والذهبي في سير أعلام النبلاء (3/95) والاستيعاب لابن عبد البر (1/40) وقال في فتح الباري (7/324) أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل.
وقد استفاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في مكة من حماية بني هاشم وبني المطلب وحماية عمه أبي طالب، رغم كفرهم وشركهم، وفي صحيح البخاري (2/804) قصة خروج أبي بكر - رضي الله عنه - متوجهًا إلى الحبشة فوصل إلى برك الغماد جنوب مكة فلقيه ابن الدغنة سيد القارة، فأعاده إلى مكة وأجاره وأدخله إلى مكة آمنا وبقي في جواره مدة.