وعلق الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى- على هذين الحديثين بقوله ( مختصرًا ) .
( قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفضُ الجناحِ للناسِ، ولينُ الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة.
وظن بعضهم أنَّ المداراة هي المداهنة فغلط، لأنَّ المداراة مندوبٌ إليها والمداهنة محرمة، والفرقُ: أنَّ المداهنة من الدهان، وهو الذي يظهرُ على الشيءِ ويستر باطنه.
وفسرها العلماء بأنها مُعاشرةُ الفاسقِ، وإظهارُ الرضا بما هو فيه، من غير إنكارٍ عليه.
والمداراةُ هي الرفقُ بالجاهل في التعلم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطفِ القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك ) [9] .
وعلقَ على حديث عائشة- رضي الله عنها- في باب »لم يكن النبي ? فاحشًا ولا متفحشًا«.
وقال القرطبي: في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق، أو الفحش، ونحو ذلك من الجور في الحكم، والدعاء إلى البدعة، مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم، مالم يؤدِّ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى.
ثم قال تبعًا لعياض: والفرق بين المداراةِ والمداهنةِ: أنَّ المداراةَ بذلُ الدنيا لصلاحِ الدنيا، أو الدينِ أو هما معًا، وهي مُباحةٌ وربما استحبت؛ والمداهنةُ ترك الدين لصلاح الدنيا،. أهـ [10] .
ومزيدًا للفائدة حول هذا الموضوع، ننقل مقتطفات مما ذكره الإمام أبو حاتم البستي في كتابه، روضة العقلاءِ ونزهة الفضلاء في »ذكر استعمال لزوم المداراة وترك المداهنة مع الناس«، حيثُ قال: أنبأنا محمد ابن قتيبة اللخمي بعسقلان، وعمر بن سعيد بن سنان الطائي بمنبج ـ قالا: حدثنا ابن واضحٍ، حدثنا يوسف بن أسباط، حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ?: (( مداراة الناس صدقة ) ).
قال أبو حاتم: الواجبُ على العاقلِ أن يلزم المداراة مع من دفع إليه في العشرة، من غير مفارقة.
إذ المداراةُ من المداري صدقة له، والمداهنةُ من المداهنِ تكونُ خطيئة عليه.
وقال: الواجبُ على العاقلِ أن يُداري الناس مداراة الرجل السابح في الماءِ الجاري، ومن ذهب إلى عشرةِ الناس من حيث هو كَدَّر على نفسه عيشه، ولم تصفِ له مودته، لأنَّ وداد الناس لا يُستجلبُ إلاَّ بمساعدتهم على ما هُم عليه، إلاَّ أن يكون مأثمًا، فإذا كانت حالةُ معصيةٍ فلا سمع ولا طاعة.
وروى بسنده عن المدائني قال: قال معاوية ?: (( لو أن بيني وبين الناس شعرةً ما تقطعت ) )؛ قيل: وكيف ؟ قال: (( لأنهم إن مدوها خليتها وإن خلَّو مددتها ) ).
وكذلك روى بإسنادهِ أن أبا الدرداء ? قال لأم الدرداء: (( إذا غضبتُ فرضيني، وإذا غضبت رضيتك، فإذا لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق ) ) [11] أهـ.
ويقول الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى- في الفرق بين المداراة والمداهنة، وخطورة الخلط بينهما: (( وكذلك المداراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذم، والفرق بينهما: أنَّ المداري يتلطفُ بصاحبه حتى يستخرج منه الحق، أو يرده عن الباطل، والمداهنُ يتلطفُ به ليقره على الباطل، ويتركه على هواه، فالمداراةُ لأهل الإيمان، والمداهنةُ لأهل النفاق، وقد ضُرب لذلك مَثَلٌ مُطابق، وهو حالُ رجلٍ به قرحة قد آلمته، فجاءهُ الطبيب المداوي الرفيق، فتعرف عليه، ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت، أخذ في بطها برفقٍ وسهولة، حتى أخرج ما فيها، ثم وضع على مكانها من الدواءِ والمراهم ما يمنعُ فساده، ويقطعُ مادته، ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبت اللحم، ثم يذرُ عليها بعد نبات اللحم ما يُنشفُ رُطوبتها، ثم يَشُدُّ عليها الرباط، ولم يزل يُتابعُ ذلك حتى صلحت.
والمداهنُ قال لصاحبها: لا بأسَ عليك منها، وهذه لا شيءَ فاسترها عن العيوب ( [12] ) بخرقة، ثم ألهاهُ عنها، فلا تزالُ مادتها تقوى وتستحكمُ حتى عظُمَ فسادها [13] . أهـ.
من هذا البيان الشافي يتبين لنا حقيقة المداراة والمداهنة، وأنهما ضدانِ لا يجتمعان؛ إذ أن المداراةِ صفةُ مدح، وهي لأهلِ الإيمان، بينما المداهنةُ صفةُ ذمٍ، وهي لأهلِ النفاق.
الخلاصة:
مما سبق يتبينُ لنا ذلك الفرق الواضح بين المداهنة والمداراة، وأنَّهُ لا يجوزُ لنا بحالٍ من الأحوال أن نخلطَ بين هذين المفهومين حتى لا نثلمَ ديننا بحجةِ المداراة، أو أن نُقدم على أمورٍ يعقبها مفاسد على هذا الدين، خوفًا من أنَّ إحجامنا عنها يوقُعنا في المداهنة، وما أجمل التفريق السابق الذي نُقل عن الحافظ ابن حجر في كتاب الفتح، وذلك في
كتاب الأدب، في باب مداراة الناس- حيث أجدني مضطرًا لإعادتهِ مع بعض التصرف.
فالمداهنة: أن يتنازلَ المرءُ عن شيءٍ من دينهِ ليحافظ بذلك على دنياهُ أو عرضه.
والمداراة: أن يتنازلَ المرءُ عن شيءٍ من دنياهُ أو عرضه، ليحافظ بذلك على دينهِ أو دنياه، أو هما معًا.