وأزيد هذا الأمر إيضاحًا ببعض الآيات من كتاب الله عز وجل، وبعض الأحاديثِ التي حذرت من المداهنة، وأذنت في المداراةِ مع ذكرِ أقوالِ المفسرين والمحدثين حولها.
الأدلة الناهية عن المداهنة
يقول الله عز وجل: (( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) ) ( القلم:8، 9 ) .
ولعلماء التفسير أقوالٌ مختلفة في معنى المداهنة، يجمعها معنى واحد كما سيتضحُ ذلك من عرضِ أقوالهم، وأنَّ الاختلاف هُنا اختلافُ تنوعٍ لا اختلاف تضاد.
نقل القرطبي- رحمه الله- في تفسيره عن ابن عباس- رضي الله عنهما- وعطية والضحاك والسد ي في قوله تعالى: (( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) )، ودُّوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم.
وعن ابن عباس أيضًا: ودُّوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين لهم فيلينون لك.
والإدهان: التلين لمن لا ينبغي له التليين، قاله الفراء .
وقال مجاهد: المعنى ودُّوا لو ركنت إليهم، وتركت الحق فيمالئونك، إلى أن قال. وقال الحسن: (( ودُّوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونكَ في دينهم... إلخ.
ثم قال القرطبي قلت: كُلَّها إن شاءَ الله صحيحة على مقتضى اللغةِ والمعنى، فإنَّ الإدهان: اللينُ والمصانعة، وقيل مُجاملة العدو ممايلته ) [3] أهـ.
ويعلق سيد قطب- رحمه الله تعالى- حول هذه الآية فيقول: (( ... فهو المساومة إذن، والاعتقاد في منتصفِ الطريق، كما يفعلون في التجارة، وفرقٌ بين الاعتقادِ والتجارة كبير، فصاحبُ العقيدة لا يتخلى عن شيءٍ منها، لأنَّ الصغير منها كالكبير، بل ليس في العقيدة صغير وكبير، إنَّها حقيقةٌ واحدةٌ متكاملة الأجزاء، لا يطيعُ فيها صحابها أحدًا، ولا يتخلى عن شيءٍ أبدًا، وما كان يمكنُ أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصفِ الطريق، ولا أن يلتقيا في أي طريق ) ) [4] .
يقول الله عز وجل: (( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) ) (الإنسان:24) ، ويقول الله عز وجل: (( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) ) (الإسراء:75.)
من الآيات السابقةِ يتبينُ أنَّ المداهنةَ مُحرمةٌ بجميع صورها، لأنَّ محصلةَ أعمال المداهنة هو النقص في الدين والنيل منه.
والحاصلُ أنَّ أيِّ عملٍ تتعارضُ فيه المصالح والمفاسد، فإنَّ ما كان محصلتهُ ثلم الدين أو أهله فإنَّه محرمٌ ولا يجوزُ الإقدامُ عليه، بل تجبُ فيه المداراة.
وما كان محصلتهُ الإبقاء على الدين والمحافظةِ عليه، فإنَّهُ جائزٌ فعله، بل واجبٌ في بعض الأحيان، كما توضحُ ذلك الأدلة التالية:
1-يقول الله عز وجل: (( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ) (الأنعام: 108 ) .
ففي هذه الآية الكريمة نهيٌ للمؤمنين من أن يسبُّوا المشركين وآلهتهم، ومعلومٌ جوازُ سبِ آلهة المشركين استقلالًا، ولكن لمَّا كان يترتبُ على ذلك سبٌّ الله عز وجل وتعالى علوًّا كبيرًا، لذلك نهي المؤمنون عن هذا العمل، وذلك من بابِ المداراة، والتي محصلتها المحافظة على الدين ولو في المآل.
والأدلةُ على جوازِ المداراة أو استحبابها أو وجوبها أحيانًا ما يلي:
2-يقول الله عز وجل في وصف المؤمنين من أهل الكتاب، ويمدحهم بذلك قوله تعالى: (( وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) ) (القصص: 54) .
ذكر القرطبي في قوله تعالى: (( وَيَدْرَأُونَ ) )أي ( يدفعون، درأتُ إذا دفعتُ، والدرءُ الدفع. وفي الحديث(( أدرءوا الحدود بالشبهات ) ) [5] . قيل: يدفعون بالاحتمالِ والكلامِ الحسن الأذى . وقيل: يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب.
وعلى الأولِ فهو وصفٌ لمكارمِ الأخلاق، أي من قالَ لهم سُوءًا لا ينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه، وهي في صدر الإسلام، وهي مما نسختُها آيةُ السيف، وبقي حُكمها فيما دُون الكُفرِ، تتعاطاهُ أمةُ محمدٍ ? إلى يوم القيامة.
ومنه قوله- عليه الصلاة والسلام- لمعاذ ?: (( وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) ) [6] ، ومن الخلق الحسن دفعُ المكروهِ والأذى، والصبر على الجفا، بالإعراض عنهُ ولين الحديث) [7] أ هـ.
والدليل من السنة: ما بوَّبَ له البخاري بقوله »باب المداراة مع الناس« حيث قال:
-ويذكرُ عن أبي الدرداء: (( إنا لنُكشرُ في وجوهِ أقوامٍ وإن قلوبنا لتلعنهم ) ).
-وعن عائشة- رضي الله عنها- أنه استأذن على النبي ? رجل فقال: (( ائذنوا له فبئس ابن العشيرة ـ أو بئس أخو العشيرة ) )فلما دخل ألانَ له الكلام، فقلت له: يا رسول الله قلتَ ما قلت ثمَّ ألنت له في القول ؛ فقال: (( أي عائشة: إنَّ شرَّ الناسِ منزلةً عند الله من تركه - أو ودَعه - الناس اتقاء فحشه ) ) [8] .