فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 830

ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم التمسك بالسنة إذا رغب الناس عنها. وترك ما أحدثوا. وإن كان هو المعروف عندهم. وتحقيق التوحيد وإن أنكر أكثر الناس ذلك. وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده. وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًا وأكثر الناس لائم لهم. فغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة لمعظم الناس.

نعم هم غرباء وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن اليهود انقسمت إلى إحدى وسبعين فرقة والنصارى انقسمت إلى اثنتين وسبعين فرقة، وتنقسم هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.

ولهذا جعل للمسلم الصادق المتمسك بالسنة في هذا الوقت أجر خمسين من الصحابة في الحديث من حديث أبي ثعلبة الخشني: (( إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله ) )قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: (( أجر خمسين رجلًا منكم ) ) [رواه الترمذي] .

فإذا أراد المؤمن الموفق من عند الله أن يسلك هذا الطريق فليستعد لقدح الجهّال فيه وأهل البدع وطعنهم عليه واستهزائهم به وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه. فهو غريب في دينه لفساد أديانهم غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم. غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم، وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه وآخرته. لا يجد من العامة مساعدًا ولا معينًا، فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر، والمنكر معروف.

واعلم رحمك الله أن الناس كلهم في هذه الدار غرباء، فإنها ليست بدار مقام لهم، ولا هي الدار التي خلقوا لها، وقد قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ) [متفق عليه] .

أما الإسلام فقد عادت غربته اليوم كما أخبر المصطفى ويالها من غربة، إنها غربة وكربة، بعد وانفلات، تهاون وتفريط.

دين ملأ الأرض عدلًا ورحمة وسعادة … يصبح اليوم غريبًا طريدًا. نشهد أنه رسول الله حقًا وصدقًا، ونزداد إيمانًا ويقينًا في كل يوم.

الخطبة الثانية

الحمد لله ذي القوة المتين، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الصادق الأمين. وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

معاشر المسلمين: إن غربة الدين تظهر اليوم في جهل كثير من المسلمين بأهم وأبسط أمور دينهم كالصلاة مثلًا. وتظهر في إنكار بعض الناس لسنة رسول الله . وتظهر في انصهار الكثير من المجتمعات الإسلامية في مجتمعات غربية كافرة انصهارًا تذوب فيه المبادئ والأخلاق والقيم والعادات والتقاليد. وتظهر في انتشار المخالفات الشرعية ومجاهرة بعض المسلمين بها دون حياء من الله. وتظهر في إعجاب كثير من المسلمين بأعداء الله من الكافرين وتقليدهم لهم وتعلقهم بهم. وتظهر في تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة عند الكثير من المسلمين غير مبالين بما يترتب على ذلك من سخط الله وعقوبته. وغير ذلك الكثير من مظاهر الغربة.

وإذا أردت أن تعرف مدى الأسى والألم الذي يعتصر قلب مؤمن يرى غربة دينه وغربته هو في وسط أهله، فاسأل غريبًا حال غربته قد فارق أهله وأحبابه وهجر وطنه وأصحابه. وجاء إلى بلد لا يعرف فيه أحدًا فأخذ ماله وضرب ظهره وأهين واحتقر، ولم يجد من ينصره أو ينصفه، كيف يكون شعوره وما هو حاله؟

أتراه يهجع والناس نيام؟ أتراه يكف عن البكاء والناس يضحكون؟

فليتك تراه وهو يشكو إلى الله وعيناه مغرورقة بالدموع. يشكو غربته وكربته.

يشكو ضعفه وقلة حيلته. يشكو عجزه وهوانه على الناس. شارد الذهن، تائه الفكر. لا يدري ماذا يفعل. ليس له أحد ينصره إلا الله جل في علاه.

هذه هي حال الغريب، واسأل مجربًا إن شئت لتسمع وصفًا تتفطر له القلوب وتتفتت له الأكباد. هذا في غريب الدنيا فكيف بغريب الدين؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت