2-تزايد فقدان المجتمعات الغربية لثقتها في نفسها. ومدى ثقة المجتمعات في نفسها من العوامل البالغة التأثير في دفع المجتمعات إلى الانفتاح على الآخر، أو الانكماش في وجهه. فمع الانكماش الجزئي للنفوذ الأوروبي، ومع تراجع الإمبراطوريات الاستعمارية الكبيرة، وتراجع قدرة المجتمعات الغربية على صناعة الأيديولوجيات الكبرى - كما كان شأنها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين - وظهور أقطاب اقتصادية وسياسية وأيديولوجية وعسكرية في شرق آسيا في الصين واليابان وفي العالم الإسلامي منافسة للنفوذ الأوروبي خاصة والغربي عامة، بدأت المجتمعات الغربية تشعر بضعف ثقتها في نفسها.. ومن ثم بدأت الحركات العنصرية فيها تنمو وتترعرع وتحتل المشهد السياسي في أكثر من بلد أوروبي.
3-الإعلام الغربي، وهو إعلام يقوم على ترسيخ صور نمطية عن الذات والآخر: الذات باعتبارها رمزا للتقدم والنجاح والتحضر، والآخر باعتباره أقرب إلى التوحش والبدائية وقلة الحضارة. وتقوم وسائل الإعلام في معظم الدول الغربية بالتركيز على العديد من القضايا التي توقظ المشاعر العنصرية في الضمير الأوروبي. فتركيز الإعلام على قضايا اللجوء والهجرة والجماعات المتطرفة في الغرب، وتصوير المجتمعات الأصلية للأقليات العرقية والدينية - التي تعيش في الغرب - باعتبارها مجتمعات للحروب والتخلف والعنف والإرهاب، تصنع هالة من التوجس والخوف والانطواء تجاه الأجنبي"البربري"أو"المتوحش"القادم إلى قلب الجنة الغربية من أجل إفسادها وتدميرها.
وفضلا عن تركيزها على الجوانب السلبية في حياة الأجانب والأقليات العرقية التي تعيش في الغرب، وتهميش صور النجاح والتميز التي يحققها أبناء الأقليات، تعمد بعض وسائل الإعلام الغربية أحيانا إلى تحميل الأجانب مسؤولية الكوارث أو الأزمات التي تعرفها بلدانها. ففي بريطانيا، عمدت صحيفة شعبية - واسعة الانتشار - إلى تحميل الأجانب مسؤولية مرض الحمى القلاعية الذي ضرب بريطانيا، وتسبب لها في خسائر اقتصادية هائلة حين أرجعت وجود الفيروس إلى أطنان اللحوم التي قالت إنها تُهرّب من أدغال إفريقيا، وتدخل بريطانيا دون رقيب- وهي تحمل أصنافا شتى من الفيروسات والآفات.
وتعتبر صورة العرب والمسلمين المشوهة - والمقترنة في الإعلام الغربي بكل ما هو قبيح وسيئ - أحد أبرز المظاهر على دور الإعلام والتعليم ومختلف أجهزة الثقافة الشعبية في إنتاج الكراهية والحقد على العرب والمسلمين لدى الغربيين. وهي الظاهرة التي تعرف اليوم في الدراسات الاجتماعية الغربية باسم"الاسلاموفوبيا"، أي الخوف والتخويف من الإسلام، وتصويره باعتباره بعبعا يهدد الحضارة الغربية.
4-انتشار البطالة بين الشبان الغربيين - الذين يشعرون أن الأجانب"زحفوا"على دولهم، وصاروا ينافسونهم كيد عاملة رخيصة. وهذا العامل له أهمية بارزة. وقد أثبتت استطلاعات الرأي أن قضايا البطالة من الانشغالات الرئيسية لدى المواطنين الأوروبيين، إلا أن هذا العامل يظل عاملا محل جدل ومقاربات مختلفة. فالأجانب لا يمثلون منافسا حقيقيا في سوق العمل الأوروبي، إذ تخضع السوق في أحيان كثيرة إلى انتخاب غير مصرّح به على أساس عرقي.
فصاحب العمل حين يتقدم له شاب من أهل جنسه من البيض، وشاب آسيوي أو إفريقي أو مغاربي أو تركي - يتنافسان على منصب شغل - يفضل بشكل شبه آلي الشاب الأبيض على الشاب الأجنبي. فلا يحظى المتنافسان منذ البداية بفرص متساوية، إلا أن يكون الأجنبي متمتعا بمزايا استثنائية لا يتوفر عليها منافسه.
إن الأيدي العاملة من الأجانب يشتغل معظمها في المهن الثانوية أو المهن"القذرة"التي يترفع عنها البيض، وهو ما يجعل الحديث عن البطالة باعتبارها سببا من أسباب استفحال العنصرية مسألة غير دقيقة. فالبطالة مرتبطة بوضع الاقتصاد الحديث وتقلباته أكثر مما هي مرتبطة بالمنافسة الأجنبية الضعيفة.
5-التصرفات السيئة والمشينة لبعض الأجانب وأبناء الأقليات العرقية المقيمة في الغرب: من عنصرية مضادة، وتورط في شبكات الجريمة والاتجار بالمخدرات، أو العيش عالة على دافعي الضرائب الغربيين، إذ يساهم العديد من الأجانب وأبناء الأقليات العرقية والدينية في تغذية العنصرية ضدهم بما يبدر منهم من سلوكيات مشينة مثل التحايل على القوانين والركون الطوعي إلى البطالة والعيش على الإعانات الاجتماعية، أو الانخراط في عصابات الجريمة المنظمة، أو في جماعات دينية أو سياسية متطرفة. تلك التصرفات تشعر المجتمعات الغربية بأنها مهددة في أمنها وهويتها الثقافية والدينية والاجتماعية، بما يزيد من تغذية المخاوف لديها من الأجنبي ومن أبناء الأقليات.
ويلعب الإعلام في هذا الصدد - عن قصد أو عن غير قصد - دورا بارزا في تسليط الأضواء على تلك الجماعات وتلك السلوكيات المشينة، ويعمد إلى إبرازها وكأنها تمثل التيار العام داخل الأقليات.