أما في بريطانيا، فقد كشف الاستطلاع أن موضوع العلاقة مع الأجانب والأعراق الأخرى قد احتل فيها المرتبة الرابعة أيضا في انشغالات البريطانيين، ولكن بنسبة أقل قليلا من النسبة العامة لبقية أوروبا (19 في المائة) - غير أنه ظل متقدما على قضايا التربية والبطالة والصحة وغيرها من الانشغالات.
الغول القومي يستشري في بريطانيا
وأثبت نفس الاستطلاع - في بريطانيا - أن الأعوام الخمسة الماضية قد شهدت نموا كبيرا للنزاعات العنصرية وللقلق من الأجانب لدى البريطانيين. فقد أثبت استطلاع يتعلق بنفس الموضوع - ولكن أجري عام 1996 - أن 3 في المائة فقط من البريطانيين يعتبرون العلاقة مع الأجانب وقضايا الهجرة واللجوء من الانشغالات التي تؤرقهم. لكن الرقم تضاعف أكثر من 6 مرات في 5 أعوام فقط؛ إذ قفز من 3 في المائة عام 1996 إلى 19 في المائة عام 2001.
كما أثبتت نتائج الانتخابات البريطانية - التي جرت يوم 7 حزيران (يونيو) الماضي - أن أعداد البريطانيين الذين صوتوا للحزب القومي البريطاني (BNP) قد ارتفعت هذا العام في بعض المناطق، وخاصة تلك التي شهدت مواجهات بين العنصريين البريطانيين والشبان الآسيويين؛ بنسب تتجاوز 16 في المائة من الأصوات التي حصل عليها الحزب في انتخابات عام 1997. وهي نتيجة تكشف نموا كبيرا جدا في عدد أنصار الحزب؛ وإن كانت الانتخابات قد أجريت بعد فترة قليلة من حدوث اشتباكات مع الآسيويين- وهو ما من شأنه أن يؤثر على نتائج الانتخابات لصالح القوى العنصرية.
وبالرغم من أن أحدا من هؤلاء العنصريين لم يفز بعضوية البرلمان البريطاني - وهو ما يعني أن خطر سيطرتهم على موقع التوجيه والقرار السياسي ما زال بعيدا جدا - فإن ترتيبهم في بعض المواقع قد جاء متقدما على مرشحي بعض الأحزاب الكبرى.
لكن المشكلة أن هذه الجماعات لا يعرف عنها مراهنتها على تحصيل مقاعد في البرلمان، من خلال انتخابات نزيهة؛ وهي تلجأ بسبب نتائجها المتواضعة إلى التأثير على الحياة السياسية، من خلال تجنيد العشرات من الشباب فيما يشبه المليشيات والقيام بأعمال عنف ضد الأجانب؛ ومن ثم التأثير على سياسات الأحزاب الكبرى التي يتجه العديد منها نحو اليمين.. أما الأحزاب اليمينية فتتجه أكثر فأكثر إلى المزيد من اليمينية التي تلامس أحيانا لدى بعض قادتها فكر الجماعات العنصرية المتطرفة.
وكان حزب المحافظين البريطاني قد اُتّهم من قبل جماعات يسارية، ومن قبل مناهضين للحركة العنصرية، بأنه مال إلى التركيز في الانتخابات الماضية على قضايا الهجرة واللجوء السياسي من أجل كسب الأصوات في الانتخابات.
وكان قد بدر من بعض أقطاب الحزب تصريحات عنصرية فجّة؛ ولم تتمكن قيادته الضعيفة من اتخاذ مواقف قوية في مواجهة دعاة الأفكار العنصرية من داخل الحزب؛ وهو ما جعل نائبا أسود في المحافظين يفكر في الانتقال إلى حزب العمال؛ احتجاجا على السلبية التي واجهت بها قيادة المحافظين التصريحات العنصرية الصادرة عن أعضاء قياديين في الحزب.
الثقافة والإعلام والبطالة دعمت العنصرية
تلعب العديد من العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية أدوارا متباينة الحجم والتأثير في تغذية الحركة العنصرية في أوروبا. ويمكن أن نذكر منها العوامل التالية، باعتبارها العوامل الأكثر تأثيرا في نمو الحركة العنصرية:
1-ثقافة التفوق العرقي والفردية الغربية وتميز الجنس الأبيض. وهي ثقافة ساهمت مساهمة كبيرة في صناعة تاريخ أوروبا والغرب الحديثين، وبررت موجات الاستعمار والهيمنة وتدمير الشعوب الأخرى في مختلف قارات العالم.
وبالرغم من تخلي المجتمعات الغربية الحديثة عن كثير من مسلمات هذه الثقافة - بل ونمو ثقافة مناهضة للعنصرية فيها - فإن صورا عديدة من ثقافة التفوق والتميز لا تزال تعشش في أعماق الوعي واللاوعي الأوروبي والغربي، فتنتج أجيالا من العنصريين المتشبعين بنظرة التفوق والتميز على العالمين.
وبالرغم من أن العنصرية الأوروبية - في أشكالها الأكثر وضوحا وفجاجة - قد انتهت إلى التحطم والانكسار- بانكسار الحركة النازية والفاشية، وهما حركتان عنصريتان بامتياز- إلا أن ثقافة الحلفاء المنتصرة لم تكن بريئة من لوثة العنصرية، التي تجلّت ممارساتها البشعة في الدول البعيدة عن أوروبا في إفريقيا وآسيا وأمريكا واستراليا.