فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 830

الحمد لله الذي جعل مقوم بناء الأمة المسلمة، آصرة الأخوة، فقال: (إنما المؤمنون إخوة ) (الحجرات: 10) ، وجعل المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، فقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) (التوبة: 71) .

وسما برابطة الإيمان على جميع روابط اللون، والجنس، والأرض، والعرق، والطبقة الاجتماعية، والجغرافيا...إلخ، قال تعالى: (قل إن كان إباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) (التوبة: 24)

وبذلك أصبح كل مسلم حيثما كان، عضوًا في أمة الإسلام العالمية، وأصبح بمقدور كل إنسان أن يختار هذا الدين، وبذلك يتمتع بالولاية الإسلامية أو بموالاة المسلمين جميعًا، أينما كانوا، كما يتمتع بحقوق الأخوة الإسلامية، الأمر الذي يحقق خلود هذا الدين وامتداده وعالميته، ويحول دون التعصب والانغلاق والتمييز بكل أشكاله.. ويجعل هذا الدين بخصائصه وقيمه ا لذاتية، مؤهلًا لقيادة العالم، والعطاء الحضاري والإنساني المستمر.. كما يجعل كل مسلم مسؤولًا عن حمل الأمانة، والقيام بمهمة الترقي الذاتي وأداء مسؤولية الدعوة والبلاغ المبين لهذا الدين.

والصلاة والسلام على من كانت سيرته وسنته تجسيدًا عمليًا لمبادئ الإسلام، وتحقيقًا واقعيًا لمجتمع الأخوة، نواة المجتمع الإسلامي العالمي الكبير، الذي ضم الفقير والغني، والأبيض والأسود، والعربي والعجمي، وبيَّن حقوق الأخوة الإسلامية، ليجيء المجتمع قويًا متماسكًا، يتحقق بالولاء والبراء، شعاره قول الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة ) ، وممارساته بيانُ الرسول صلى الله عليه و سلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذُلُه، ولا يَحْقِرُه، التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئٍ من الشر أن يَحْقِرَ أخاه المسلم، كُلُّ المسلم على المسلم حرام، دَمُهُ ومَالُهُ وعِرْضُه) (رواه مسلم عن أبي هريرة) . وقوله: (المسلمون تتكافأُ دِماؤهم، وهُم يدٌ على مَن سواهم، يسعى بذمَّتِهم أدناهم، ويُرَدُّ على أقصَاهم) (رواه ابن ماجه والنسائي وأحمد، من حديث ابن عباس) .

وبعد، فهذا كتاب الأمة الحادي والستون: (من فقه الأقليات المسلمة) للأستاذ خالد محمد عبد القادر، في سلسلة (كتاب الأمة) ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في إعادة الإحياء للقيم الإسلامية في النفوس، والاستيعاب النضيج لقضية الولاء والبراء، وتجديد مفهوم الأخوة الإسلامية الشاملة، بعيدًا عن تضييق مفهومها بسببٍ من التعصب والتحزب والتمذهب، وتغيبب حقوقها تحت شتى الذرائع والمعاذير والفلسفات والتلبيسات، حيث أصبح من المطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى، التخلص من حالة الوَهْن والركود والتخاذل الثقافي، وتأسيس الرؤية الثقافية على معرفة الوحي المعصوم في الكتاب والسنة، واستئناف دور العقل في النظر، وبيان أهمية الاجتهاد الفقهي والفكري لقضايا الأمة ومشكلاتها المعاصرة في ضوء هدايات الوحي، ومكتسبات العقل وإبداعاته.

كما هو مطلوب أيضًا، محاولة التدليل على خلود القيم الإسلامية وتجردها عن حدود الزمان والمكان، وذلك بقدرتها على إنتاج النماذج الإسلامية المتميزة في كل عصر، وقدرتها على إيجاد الحلول والأوعية الشرعية لحركة الأمة ومشكلاتها، في النظر إلى الواقع وتقويمه بقيم الوحي المعصوم، والاجتهاد في تنزيل القيم الإسلامية على الواقع، بحيث ينطلق النظر والاجتهاد، من خلال الواقع ومشكلاته وحاجاته ومعاناته.

إن تحقيق هذا الخلود لا يمكن أن يتحصل إلا بإشاعة روح التخصص في فروع المعرفة المختلفة، وإحياء مفهوم الفروض الكفائية، والتأكيد على أن العصر بثورته المعلوماتية وضخه الإعلامي والمعرفي، لم يعد يسمح بوجود الرجل الملحمة العارف بكل شيء، القادر على الاجتهاد والفتوى في كل شيء، وإنما لابد من التخصص وتقسيم العمل الذي يؤدي إلى تكامله وإتقانه، وإعادة بناء شبكة العلاقات الاجتماعية، أو النسيج الاجتماعي للأمة بشكل متماسك كالبنيان المرصوص، الذي يشدّ بعضه بعضًا.

إن إشاعة روح الاختصاص، وإحياء مفهوم فروض الكفاية، يستلزم شحذ فاعلية المسلم في المواقع المختلفة، ليستأنف دوره في حمل الأمانة وإلحاق الرحمة بالناس، مستثمرًا طاقاته الروحية والمادية والتخصصية المعرفية، لنصرة الحق والدعوة إليه، وإثارة الاقتداء، والتدليل على أن المسلم ليس جسمًا غريبًا في أي مجتمع، وإنما هو عنصر خير وعطاء وتخصص، قادر على التكيف والاندماج لمصلحة الدعوة، مستعص على الذوبان والانحلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت