فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 830

ومن القضايا الأساسية في هذا المجال، إحياء مفهوم الارتكاز الحضاري، والانتماء الثقافي لرسالة الإسلام والأمة الأم، وعلى الأخص بالنسبة للمسلمين المهاجرين، لسبب أو لآخر، إلى مجتمعات غير إسلامية، قد تكون مشبعة بأحقاد تاريخية وعداوات عنصرية ضد الإسلام والمسلمين، والمساهمة بطرح رؤية واقعية لكيفيات التعامل معها، وإيصال الخير لها.

ولعل القضية التي تستدعي التأمل والنظر باستمرار -نظرًا لتبدل الظروف وتطور الأحوال- قضية الاجتهاد، التي تعني فيما تعني خلود هذا الدين، وقدرته على معالجة مشكلات الحياة المتجددة، ووضع الأوعية الشرعية لحركة الأمة، وإنتاج النماذج التي تحمل الرسالة، وتحول دون الفراغ الذي يعني تمدد (الآخر) .

الاجتهاد بمفهومه العام هو محاولة لتنزيل النص الشرعي، مصدر الحكم في الكتاب والسنة على الواقع، وتقويم سلوك الناس ومعاملاتهم به.. ومحله دائمًا المكلف وفعله، وهذا يتطلب أول ما يتطلب -بعد فقه النص- النظر إلى الواقع البشري وتقويمه، من خلال النظر للنص، وكيفيات تنزيله في ضوء هذا الواقع البشري.

وهذه الأحكام المستنبطة من النص لتقويم الواقع والحكم عليه، هي أحكام اجتهادية، قد تخطئ وقد تصيب، حسبها أنها اجتهادات بشرية يجري عليها الخطأ والصواب، لا قدسية لها، ومهما بلغت من الدقة والتحري لا ترقى إلى مستوى النص المقدس في الكتاب والسنة، ولا تتحول لتحل محل النص، فتصبح معيارًا للحكم.. هي حكم مستنبط يعاير ويقوّم بالنص، ويستدل عليه بالنص.

وقد نقول: إن دقة وتحري الحكم وصوابيته في عصر معين، له مشكلاته وقضاياه، أو في واقع معين أثناء تنزيله عليه، لا يعني بالضرورة صوابيته لكل واقع متغير، ذلك أن فقه المحل (الواقع) بكل مكوناته وتعقيداته واستطاعاته هو أحد أركان العملية الاجتهادية، إلى جانب فقه النص المراد تنزيله على هذا الواقع.

فتغير الواقع وتبدل الحال، يقتضي بالضرورة إعادة النظر بالاجتهاد أو بالحكم الاجتهادي، ولا ضير في ذلك، بل الضرر والضير في الجمود على الأحكام الاجتهادية، مهما تغيرت وتبدلت الظروف، وبذلك تتحول الأحكام الاجتهادية من كونها حلًا للمشكلات، ليصبح تطبيقها وتنزيلها على غير محلها هو المشكل الحقيقي.

ومن هنا نقول: إن الكثير من الأحكام الاجتهادية التي وردت لمعالجة مشكلات عصر معين، ليست ملزمة لسائر العصور، إذا تبدلت تلك المشكلات، وأنها في معظمها قابلة للفحص والاختبار، والنظر في مدى ملائمتها للواقع الذي عليه الناس، حيث لابد من العود ة والتلقي من النص الأصلي الخالد المجرد عن حدود الزمان والمكان، والنظر في كيفية تنزيله على الواقع والحال.. وهذا الذي نقوله هو من سنن التطور الاجتماعي والفقه الشرعي، حيث غيّر الكثير من الفقهاء من أحكامهم نفسها، وليس من حكم غيرهم، عندما تغير الزمان أو تغير المكان، فكان لهم جديد، وكان لهم قديم، أو عندما اطلع على نصوص ووقائع جديدة لم يكن يعرفها مسبقًا، أو عندما أدرك حكمة الحكم وعلته الدقيقة، وعدم انطباقها على الحالات المتشابهة، أو أن الامتداد في تطبيقها بشكل آلي وصارم قد يؤدي إلى فوات مصلحة شرعية وحصول مفسدة محققة، بما أُطلق عليه مصطلح: (الاستحسان) ، وكيف أن الأحكام في الكتاب والسنة تتعدد بتعدد الحالات والاستطاعات، ولا تجمد على حال واحدة، فكيف يكون ذلك، والواقع خاضع لسنة التغيير، سقوطًا ونهوضًا، ولكل حالة حكمها؟

وقد كنتُ أشرتُ -فيما كتبتُ سابقًا- إلى أن القرآن الكريم مصدر التشريع والمعرفة، لم يأت ترتيبه في ضوء أزمنة النزول -على أهمية معرفة أزمنة النزول وأسبابه، لإدراك أبعاد النص الزمانية والمكانية والتطبيقية- حتى لا يتجمد الاجتهاد على حال ووتيرة واحدة، وإنما جاء ترتيبه توقيفيًا، ليمنح مرونة اجتهادية، فيكون لكل حالة حكمها، ولو كان ذلك من أواخر أو أوائل ما نزل من القرآن، فالقرآن كله خالد، ولكل حالة حكمها الملائم، ولا يخرج البيان النبوي عن هذا الإطار القرآني، وإنما هو تنزيل له، وبيان ميداني بتحويل الفكر إلى فعل.

وقولنا: بأن الاجتهادات الكثيرة التاريخية، والتي يمكن تصنيفها في إطار الموروث أو التراث هي اجتهادات لزمانها ومشكلاته وأنها غير ملزمة، لا يعني إلغاءها أو القفز من فوقها، أو عدم معاودة الإفادة منها عند تشابه الحال، وإنما يعني استصحابها والاستئناس بها، والفقه بنظرها الدقيق وآليتها الاجتهادية، لتكون معوانًا لنا على النظر الذي يقتضيه تبدل العصر وتغير مشكلاته.

ومن هنا نرى: أن الكثير مما ورد من الفقه الاجتماعي والدولي والاقتصادي والمالي والإداري والدستوري، ليس ملزمًا إذا تبيّن أن الزمن قد تجاوزه -وهذا بطبيعة الحال لا يرد على الاجتهاد في أحكام العبادات بنفس القدر- وأننا مدعوون لإعادة النظر والاجتهاد الفقهي والفكري بشكل عام، في ضوء تبدل الواقع الذي نعيشه، أو تبدل المجتمعات من حولنا، الأمر الذي يقتضي إعادة النظر في أحكام الفقه في ضوء معطيات النص الخالد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت