فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 830

من خلال هذا السرد للروايات الصحيحة لحديث الغربة يتضح لنا وصف حال أهل الغربة، وأنهم نُزّاع من القبائل، وهذا يشير إلى قلتهم، وأنهم يُصلِحُون إذا فسد الناس، وأنهم أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.

وتدلنا هذه الأوصاف المذكورة للغرباء أنهم أهل غيرة ودعوة وإصلاح ولم يكونوا صالحين يائسين مستسلمين لواقعهم الفاسد، كما تدلنا هذه الروايات على بقاء المصلحين مهما اشتدت الغربة ولو كانوا قلة ونزاعًا من القبائل. ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحق حتى يأتي أمر الله (عز وجل) .

ولذلك ـ والله أعلم ـ صدّر الإمام الهروي، (رحمه الله تعالى) منزلة الغربة بقوله (تعالى) : (( فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ) ) [ هود: 116] .

وقال ابن القيم (رحمه الله تعالى) في شرحه لمنازل السائرين عند هذه الآية: (استشهاده، ـ أي: مؤلف كتاب منازل السائرين ـ بهذه الآية في هذا الباب يدل على رسوخه في العلم والمعرفة وفهم القرآن؛ فإن الغرباء في العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية) (5) .

من أقوال السلف في الغربة وأهلها:

-قال الأوزاعي (رحمه الله) في قوله: (بدأ الإسلام غريبًا...) الحديث: أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد) (6) .

-وقال يونس بن عبيد (رحمه الله تعالى) : (ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها) (6) .

-وعن سفيان الثوري (رحمه الله تعالى) قال: (استوصوا بأهل السنة فإنهم غرباء) (6) .

-وقال ابن رجب (رحمه الله تعالى) : (وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما: من يصلح نفسه عند فساد الناس، والثاني: من يُصلح ما أفسد الناس وهو أعلى القسمين وهو أفضلهما) (7) .

وقد شرح حديث الغربة هذا أئمة أجلاء منهم شيخ الإسلام (رحمه الله تعالى) في [مجموع الفتاوى: 18/251] ، والإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) في [منزلة الغربة: 3/194] والإمام الشاطبي (رحمه الله تعالى) في كتابه النفيس (الاعتصام) : 1/97 والإمام ـ ابن رجب ـ (رحمه الله تعالى) في كشف الكربة فليرجع إلى هذه الشروحات ففيها فوائد جمة.

وخلاصة ما قاله الأئمة حول الغربة وأهلها:

1-أن الغربة المطلقة في كل الأرض لا تكون إلا قبيل قيام الساعة، أما قبل ذلك فلن تخلو الأرض من قائمين بالحق ولو كانوا قلة، ولكن قد توجد غربة تامة في مكان دون مكان وفي جانب من الشريعة دون جانب. والله أعلم.

2-أن أهل الغربة الممدوحين في كل مكان وزمان هم الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة، أهل السنة والجماعة المتمسكة بالكتاب والسنة وفَهْمِ الصحابة (رضي الله عنهم) والتابعين لهم بإحسان.

3-أهل الغربة في كل مكان قليلون ولكن أثرهم على الناس عظيم؛ لأن من أهم أوصافهم أنهم يدعون إلى الله (عز وجل) ويصلحون ما أفسد الناس ويجددون لهم دينهم.

4-المخالف لأهل الغربة كثير، والأذى الذي يتعرضون له عظيم؛ لكنهم ـ بالحق الذي يحملونه، والمهمة الشريفة التي يؤدونها، والصبر الجميل الذي يتحلون به ـ ثابتون مطمئنون.

5-في حديث الغربة معنى لطيف أشار إليه شيخ الإسلام (رحمه الله تعالى) بقوله: (وهو لما بدأ غريبًا لا يُعرف ثم ظهر وعرف؛ فكذلك يعود حتى لا يُعرف، ثم يظهر ويُعرف) (8) .

وفي هذا رد على من يفهم من أحاديث الغربة انحسار الإسلام وعدم الأمل بعودته، وهذا ما يفهمه كثير من اليائسين من هذا الحديث، وفي كلام شيخ الإسلام السابق رد على هذا الفهم الخاطئ، وذلك أن الإسلام إذا عاد غريبًا كما بدأ، فإنه سيعود قويًا ظاهرًا كما حصل ذلك بعد غربة الإسلام الأولى.

وهذا الفهم الصحيح هو الذي تشهد له أحاديث صحيحة كثيرة منها قوله: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) (9) ، وقوله: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل: عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر) (10) .

6-الغربة في شدتها وعظم أجر أهلها ليست على رتبة واحدة وإنما هي متفاوتة، فهناك غربة أهل الإسلام بين أهل الأديان الكافرة، وأشد منها غربة أهل السنة والإيمان بين أهل الإسلام والفرق الضالة من أهل القبلة. وأشد منها غربة أهل العلم بين عامة أهل السنة. وأشد منها غربة العلماء المجاهدين الصابرين بين أهل العلم القاعدين. وهؤلاء هم الذين قال عنهم ابن القيم رحمه الله (تعالى) : (هم أهل الله حقًا فلا غربة عليهم) وهم الذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن من ورائكم أيامًا: الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أوَ منهم؟ قال: بل منكم) (11) .

7-أهل الغربة وإن كانوا قلة فهم السعداء حقًا ولا وحشة عليهم، وإن خالفهم أكثر الناس؛ فحسبهم راحةً وطمأنينةً أنهم في قافلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

مظاهر الغربة في زماننا اليوم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت