وفي المدونة عن ابن القاسم فيمن رعى خنازير لكافر، قال: تؤخذ الإجارة من الكافر، ويتصدق بها على المساكين أدبًا للكافر، ولا يعطاها المسلم بل ويضرب أدبًا له (254) .
وسئل الإمام أحمد: أيبني مسلم للمجوس ناووسًا؟ فقال: لا يبني لهم. وقاله الآمدي، وكرهه الشافعي (255) ، ومثله الكنيسة، وما يماثلها عند أهل الكفر (256) .
وأما العمل في معاملات ربوية فمحرم، لحديث جابر: (لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال:(وهم فيه سواء) (257) .
قال النووي: (هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المرابين والشهادة عليهما) (258) . وفي الحديث أيضًا تحريم الإعانة على الباطل أيًّا كان نوعه (259) .
والنص هنا عام مطلق، بلا فرق بين من عمل بذلك في دار الإسلام أم في دار الكفر.
نخرج من هذا إلى أنه يحرم على المسلم أن يبني للمشركين دارًا للكفر، أو أن يعمل لديهم ببيع خمر، أو بيع خنزير أو أي محرم آخر، لأنها أفعال محرمة.
فإذا اضطر لذلك جاز، ولكن فليعمل بقاعدة: (الضرورة تقدر بقدرها) فلا يتجاوز قدر الحاجة، ولا يتوسع في ذلك، وليكتف بالكفاف، وليعمل جاهدًا للخروج من هذا الواقع.
وقد أفتى المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، بحرمة العمل في المطاعم من غير ضرورة (أي المطاعم التي تقدم الخمر والخنزير) ، وبحرمة تصميم معابد شركية، أو الإسهام فيها.
وأما إذا اضطر للعمل في تلك المطاعم فيجوز، بشرط ألا يباشر نفسه سقي الخمر أو حملها، أو صناعتها، أو الاتجار بها، وكذلك الحال بالنسبة لتقديم لحوم الخنزير، ونحوها من المحرمات (260) .
وعلى ذلك يجوز للمسلم أن يؤجر نفسه للكافر بشروط منها:
1-أن يكون عمله مباحًا.
2-أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين.
3-ألا يشتمل على مذلة وإهانة.
المسألة الثالثة: حكم استقراضهم، واستيداعهم، والاستعارة منهم:
أولًا: استقراضهم:
الاستقراض هو طلب القرض، والأصل في ذلك ما رواه البخاري وغيره (261) أنه لما توفي والد جابر بن عبد الله، ترك على جابر ثلاثين وسقًا (262) لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه و سلم ليشفع له إليه...الحديث.
فدل عدم نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن الاستقراض من المخالفين، على جواز استقراضهم، وأنه لا حرج في ذلك.
ولكن لابد من الإشارة إلى أنه إذا جر الاستقراض إلى الركون إليهم، وموالاتهم والتذلل لهم، فإن: (ما أدى إلى الحرام فهو حرام) ، وكذلك إذا تضمن عقد الاستقراض شرطًا محرمًا (263) .
ثانيًا: استئمانهم واستيداعهم:
الأصل في ذلك قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنه من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليهم قائمًا ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) (آل عمران: 75) .
قال الشوكاني: معنى الآية أن أهل الكتاب منهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، ومنهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة.. ومن كان أمينًا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنًا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى (264) .
قال بدر الدين العيني عند كلامه على استئجار النبي صلى الله عليه و سلم رجلًا من بني الدَّيل هاديًا يوم الهجرة: (فيه ائتمان أهل الشرك على السر والمال، إذا عُهد منهم الوفاء والمروءة، كما استأمن رسول الله هذا المشرك) (265) .
وفي الآداب الشرعية: (إذا احتاج المسلم إلى ائتمان كافر، فله ذلك) (266) .
ثالثًا: الاستعارة منهم:
الاستعارة طلب الإعارة.. والعارية: ما تعطيه غيرك لينتفع به، على أن يعيده نفسه إليك. والأصل في ذلك ما رواه أبو داود وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم استعار من صفوان درعًا يوم حنين، فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ فقال: (لا، بل عارية مضمونة) (267) .
فدلت الواقعة على جواز الاستعارة من الكفار، لأنها من جملة العقود، والإسلام ليس شرطًا في العاقدين، ثم الأصل في المعاملات الإذن والإباحة، إلا ما دل الدليل على التحريم، ولا دليل هنا. (ولأنه ليس فيها ولاية، ولا تسلط على المسلم، بل هما كالبيع والشراء ونحوهما) (268) .
المبحث الخامس: النكاح
المطلب الأول: حكم نكاح الكتابية في دار الكفر
لقد أحل الله نكاح المحصنات من أهل الكتاب مطلقًا، سواء كن في دار الإسلام أم في دار الكفر.
قال ابن المنذر: (ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرّم ذلك) (269) .
وقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (ينكح المسلم النصرانية، ولا ينكح النصراني المسلمة) (270) .
وقول عمر هذا أصح سندًا من نهيه عن تزويجهن (271) .
والآية التي تحل للمسلمين نكاح المحصنات من أهل الكتاب هي: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) (المائدة: 5) .
والإحصان في كلام العرب وتصريف الشرع، مأخوذ من المنعة، ومنه الحصن، وهو مترتب بأربعة أشياء: الإسلام، والعفة، والنكاح، والحرية.