يؤخذ هذا التعليل مما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، أن رهطًا (جماعة) من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا: (السام عليك) ، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: (إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم) ، وفي رواية أخرى: (فإن أحدهم يقول:(السام عليك) (298) .
وعليه فإذا غيّر أهل الكتاب من أسلوب ردهم وألفاظهم الخبيثة، فلا مانع من السلام عليهم، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
فقد نهانا النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك حتى لا يكون هناك مقابل (إلقاء السلام) دعاء علينا بالموت، فإذا انتفى ذلك فلا أرى وجهًا للمنع.
وهذا ما فهمه جمع من الأئمة، فقد سئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلّم عليه، فقال: إن سلمتَ فقد سلّم الصالحون، وإن تركتَ فقد ترك الصالحون قبلك.
كل ما تقدّم من خلاف فإنه إذا كانت تحيتنا لهم (بالسلام عليكم) ، أما إذا كانت بعبارة أخرى (كصباح الخير، أو مساء الخير، أو مرحبًا) ، وما شابه ذلك، فلا أرى أن النهي يتناوله، وقد قال بذلك السدي، ومقاتل، وأحمد وغيرهم (299) .
ثانيًا: حكم رد السلام:
اتفق أهل العلم على أنه يرد على أهل الكتاب بـ: (وعليكم) (300) ، لقول النبي صلى الله عليه و سلم: (إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم) (301) .
ولكن هل يزاد على ذلك؟
ذهب جماعة من السلف إلى أنه يجوز الرد على الكفار بـ (وعليكم السلام) ، كما يرد على المسلم، وهو قول ابن عباس، والأشعري، والشعبي، وقتادة، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية، ولكن لا يقول: (ورحمة الله) ، وقيل يجوز مطلقًا وتكون الرحمة بمعنى الهداية.
وذهب الجمهور إلى المنع من الرد بـ (وعليكم السلام) . ولم يأتوا بدليل على ما ذهبوا إليه إلا بالحديث السابق.
قلت: ولكنه مقيّد بسبب، فإذا زال فلا مانع من الرد بـ (وعليكم السلام) .
فيترجح قول القائلين بفرضية الرد كاملًا بالصيغة التي تصلح ردًا لتحيته.
قال ابن القيم: (فإذا تحقق السامع أن الكافر قال له:(السلام عليكم) ، فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: (وعليكم السلام) ، فإن هذا من باب العدل والإحسان، وقد قال تعالى: (وإذا حيتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) .
ثالثا: حكم القيام لهم:
ذهب جمع من العلماء إلى جواز القيام للكافر إذا كان يُقصد من ورائه مصلحة دينية كترغيبه في الإسلام، وميله إليه، بشرط ألا يقصد القائم تعظيمًا.
ومنهم من جعل القيام جائزًا لغير مصلحة، لأنه من البر والإحسان إلى الكافر، ولم ننه عنه (302) .
وأما القيام للكافر بقصد دينه وما عليه من الكفر فحرام باتفاق. وأما إذا كان عرفًا ومعاملة بالمثل فلا بأس. وتقدير ذلك يرجع إلى المسلم نفسه في ديار المخالفين، فهو أدرى بعادات ذلك المجتمع وأعلم.
حكم مصافحتهم ومعانقتهم وتهنئتهم وشهود أعيادهم
أولا: حكم مصافحتهم:
ذهب جماعة من الأئمة إلى كراهية مصافحة الكفار (303) ، منهم النخعي وأحمد وأبو يوسف.
قال النخعي: (كانوا يكرهون أن يصافحوا اليهود(304 ) ) ، يقصد بذلك السلف الصالح.
وذهب آخرون وعلى رأسهم الثوري وعبد الرزاق الصنعاني، إلى أنه لا بأس بأن يصافح المسلمُ اليهوديَ والنصرانيَ (305) .
وهو الراجح، الذي يقتضيه قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة: 8) .
أما معانقتهم فلم أرَ مَن صرّح بجوازها ولا بمنعها، مع أنني أميل إلى القول بكراهتها، لأنها تعبير عن الرضا التام، والمحبة الفياضة، وهذا الشعور لا ينبغي أن يُعامل به الكافر، إلا أن يكون الكافر أبًا أو ابنًا أو جَدًّا، أو ما شابه ذلك، فلا بأس به، وليكن في المناسبات فقط.
أما تقبيلهم فقد كره الحنابلة ذلك (306) ، وبه أقول للسبب الذي ذكر في كراهية معانقتهم. وإن حدث ذلك فلا إثم إن شاء الله لعدم النص، إن لم يترتب عليه المحبة والرضا، التي قد تجر إلى الموالاة المحظورة.
ثانيا: حكم تهنئتهم:
إذا كانت التهنئة في الأمور المشتركة كزواج، أو قدوم مولود، أو غائب، أو عافية ونحوها، لم أرَ أحدًا قد صرّح بالمنع إلا رواية عن أحمد، ولكن لما جازت عيادتهم (على ما سيأتي) ، جازت تهنئتهم. قال ابن القيم: (ولكن فليحذر الوقوع في الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، مثل(أعزك الله) ، وما قاربها.. أما إذا كانت التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: (عيد مبارك ) ) .
ثالثا: حكم شهود أعيادهم ومشاركتهم فيها:
لا يجوز للمسلم ممالأة الكفار على أعيادهم، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم، باتفاق أهل العلم، لأنهم على منكر وزور، وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم، كانوا كالراضين المؤثرين له، فيخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع.
وقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة(اللعنة) تنزل عليهم).
وروى البخاري عنه قوله: (اجتنبوا أعداء الله في عيدهم) .