فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 830

وروى البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو قوله: (من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبّه بهم حتى يموت وهو على ذلك، حشر معهم) .

ومن هنا أجمع العلماء على حرمة أن يُباع لهم شيء من مصلحة دينهم في يوم عيدهم، أو الإهداء إليهم (307) .

قلت: لكن إذا خاف المسلم أن يترتب على عدم تهنئتهم ضرر عليه لا يمكن تحمله عادة، رخص له في مجاملتهم في الظاهر مع الإنكار القلبي.

حكم عيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم

أولا: حكم عيادة مرضاهم:

الأصل في ذلك ما رواه البخاري وغيره، أنه كان للنبي صلى الله عليه و سلم غلام يهودي يخدمه فمرض فأتاه فعاده... الحديث (308) .

قال ابن حجر: (وفي الحديث جواز عيادة المشرك إذا مرض) (309) .

وقال الماوردي: (عيادة الذمي جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة) (310) . قلت: أو صحبة.

وقد عاد النبي صلى الله عليه و سلم أيضًا عمه أبا طالب في مرض وفاته، وعرض عليه الإسلام (311) .

كل ذلك دل على جواز عيادة مرضى المشركين، لأنها نوع من البر، وهي من محاسن الإسلام ولا بأس بها (312) .

وسئل الإمام أحمد عن عيادة الكفار، فقال: (أليس قد عاد النبي صلى الله عليه و سلم اليهودي، ودعاه إلى الإسلام) (313) .

وذهب قوم إلى أن عيادة مرضى المشركين جائزة بشرط دعوتهم إلى الإسلام وإلا فلا.

قال ابن بطال: (إنما تشرع عيادته إذا رجي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فإذا لم يطمع في ذلك فلا) .

والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد تقع بعيادته مصلحة أخرى (314) .

ثانيا: حكم تشييع جنائزهم، وتعزيتهم:

أولًا: حكم تشييع جنائزهم:

تقدم القول عنه عند الكلام عن الجنائز فانظره.

ثانيًا: حكم تعزيتهم:

ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز أن يعزّي المسلم الكافر، وكان الثوري يقول: يعزي المسلم الكافر ويقول له: (لله السلطان والعظمة) .. وكان الحسن يقول: إذا عزيت الكافر فقل: (لا يصيبك إلا خير) .. وكان أبو عبد الله بن بطة يقول: يقال في تعزية الكافر: (أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدًا من أهل دينك) (315) .

والصحيح عندي أن للمسلم أن يختار من الأدعية ما يراه مناسبًا مما ليس فيه دعاء للميت ولا قوة للحي.

وهناك قول للشافعية، ورواية عن أحمد (316) بالمنع من تعزية الكافر إلا إذا رجي إسلامهم (317) .

ولا أجد دليلًا على هذا المنع، فإذا جازت عيادة مرضاهم، واعتبرناها من البر ومحاسن الإسلام، فلئن تجوز تعزيتهم أولى، سواء رجونا بذلك إسلام القوم أو بعضهم أو لا. قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم) (الممتحنة: 8) .

حكم زيارتهم لتفقد أحوالهم

غالبًا ما تكون الزيارات بين الأسر المسلمة والمخالفة للمجاملة أو المصلحة، أو مكافأة على زيارة، فكل هذا لا مانع منه، وخاصة إذا كانت زيارة في ظاهرها، ودعوة إلى الإسلام في باطنها، فهنا يتأكد جوازها ويطلب تعميق الصلة، لتحقيق تلك الغاية الشريفة، إذ الأعمال تشرف بشرف غاياتها.

وأما إذا كانت لمجرد تفقد الأحوال، فأرى عدم كراهيتها، إلا إذا زادت عن وضعها الطبيعي، وتجاوزت الحد المعقول، لأنه يجب أن يكون هناك حواجز نفسية وشعورية في نفس المؤمن تجاه مخالفه، فلا يتداخل معه ذاك التداخل المؤدي إلى التوادد والتحابب والتراضي المنهي عنه.

والدليل على جواز زيارة المشركين قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة: 8) .

حكم تكنيتهم وقبول هديتهم والإهداء إليهم

أولا: حكم تكنيتهم:

الأصل في ذلك ما رواه البخاري، أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكر عبد الله ابن أبيّ بن سلول رأس المنافقين بكنيته وهي: (أبو حُباب) (318) .

قال العيني: وقول النبي عليه الصلاة والسلام ذاك لم يكن للتكرمة، بل قد تكون للشهرة (319) .. وعن الثوري أن عمر كنى (الفرافصة) وهو نصراني بأبي حسّان (320) . وقال أحمد لطبيب نصراني: يا أبا إسحاق (321) .

فدل ذلك على جواز أن يُكنى المشرك بما يُعرف به من كنيته فقط، ولا يتعدى ذلك، كأن يكنيه كنية شريفة تشعره بالعزة، فهذا يكره.

ثانيا: حكم قبول هديتهم والإهداء إليهم:

الأصل في ذلك ما رواه البخاري وغيره، أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها (322) . وقد قَبِلَ هدية ملك إيله (323) ، وهي بغلة بيضاء، فكساه رسول الله صلى الله عليه و سلم بردة (324) .. وأن (أكيدر دومة) (325) أهدى إلى النبي عليه الصلاة والسلام جبة سندس (326) ، وأهدى له (المقوقوس) جارية.

وهناك من أهل العلم من كره قبول هدية المشركين.

وعليه فلو أهدى كافر لمسلم هدية فلا حرج عليه من قبولها، وكان عليه أن يثيبه عليها قدر الإمكان، حتى لا تبقى للكافر على المسلم يد ونعمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت