فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 830

وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم في أسرى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حيًا، وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) (327) ، مكافأة له على جهده في نقض الصحيفة، وقيل: مكافأة له على حماية النبي صلى الله عليه و سلم يوم عودته من الطائف.

نخرج من هذا إلى القول بجواز قبول هدية المشركين، والإثابة عليها، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه و سلم، وأنه لا مانع من قبول هداياهم في يوم عيدهم، وإنما المحظور باتفاق، الإهداء لهم كما سبق.

أما قبول هدية مَن كان غالب ماله الحرام، فرخص فيها قوم منهم الزهري ومكحول، لأن النبي صلى الله عليه و سلم كان يعامل أهل الكتاب والمشركين، ويقبل هداياهم مع علمه بأنهم لا يجتنبون الحرام، وكرهته طائفة مطلقًا (328) .

أما مَن علم أن ما أُهدي إليه هو من الحرام بعينه، فهو محرم بالإجماع (329) .

عورة المرأة المسلمة بالنسبة للمرأة الكافرة ولأقاربها

أولا: للمرأة الكافرة:

الأصل في ذلك قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن) (النور: 13) .

ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن المراد من قوله تعالى: (أو نسائهن) ، أنهن المؤمنات المختصات بالصحبة والخدمة، وكأنه تعالى قال: أو صنفهن.

وعليه فليس للمؤمنة أن تتجرد عن بعض زينتها بين يدي مشركة، لئلا تصفها لزوجها، فإنها أي المشركة لا يمنعها من أن تصفها لزوجها مانع بخلاف المسلمة، وقالوا: إن المرأة الكافرة ليست من نسائنا وأجنبية في الدين، وهو قول عمر، وابن عباس، ومجاهد، ومكحول، وابن جريج وغيرهم.

والمعتمد عند الشافعية أن للمسلمة أن تكشف أمام المشركة ما يبدو عند المهنة عادة، أي الرأس والعنق واليدين إلى العضدين والرجلين إلى الركبتين (330) . وهو مذهب الحنابلة (331) .

واستدلوا على ذلك بما يلي:

1-ما صح من أن نساء كوافر قد كنّ يدخلن على أمهات المؤمنين، ولم يكنّ يحتجبن ولا أمرن بحجاب.

2-ما رواه عطاء أن أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم لما قدموا بيت المقدس، كان قوابل (جمع قابلة، وهي المرأة التي تساعد الوالدة عند الولادة وتتلقى الولد) نسائهن اليهوديات والنصرانيات.

3-أن الحجاب إنما يجب بنصّ أو قياس، ولم يوجد واحد منهما. وقال الألوسي: (وهذا القول أرفق بالناس اليوم، فإنه لا يكاد يمكن احتجاب المسلمات عن الكافرات) (332) .

وأما قوله تعالى: (أو نسائهن) ، فيحتمل أن يكون المراد جملة النساء.. وقول السلف محمول على الاستحباب، وهو الراجح إن شاء الله، لسلامة الأدلة ورجحانها.

ثانيا: عورة المسلمة بالنسبة لأقاربها الكفار:

القريب الكافر إما أن يكون مَحْرما وإما أن يكون غير مَحرم، فإن كان محرمًا كأخيها وأبيها وجدّها وعمها، وما شاكل ذلك، فلها أن تُبدي زينتها أمامه، وإن كانوا كفارًا، لعموم قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن) (النور: 13) ، إن لم يكونوا إباحيين، وإلا فلا، لأن الإباحي لا يفرق بين من تحل له ومن تحرم عليه.

وكذلك للمسلم أن ينظر إلى زينة النساء اللاتي يعتبرن من محارمه الكافرات لعموم الآية السابقة، لاتحاد مشاعر الرجال تجاه محارمهم، ودون تفريق بين كونها مسلمة أو غير مسلمة.

وأما إن كان القريب غير محرم لها، فيحرم عليها أن تبدي شيئًا من زينتها وعورتها أمامه، لعموم الأدلة.

حكم اقتناء الكلاب

مما لا يخفى على مَن زار بلاد الكفر، وخاصة ديار الغرب منها، أن الكلاب توجد هناك بكثرة، على مختلف أشكالها وألوانها وأنواعها، حتى أنهم من شدة ولوعهم في هذه الطائفة من البهائم أقاموا لها جمعيات ترعى أحوالها وتدافع عن حقوقها، وتؤمن لها الرعاية والعناية الكاملة (333) ، حتى إنك لا تكاد تجد بيتًا يخلو من كلب أو قطة.

فما حكم اقتناء الكلب؟

الأصل في ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: (من أمسك كلبًا، فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط(والقيراط قدر معلوم عند الله) ، إلا كلب غنم، أو حرث، أو صيد).. وعند مسلم: (ينقص كل يوم من عمله قيراطان) (334) . فدل الحديث على عدم جواز اقتناء الكلاب لغير الماشية أو الزرع أو الصيد (335) ، إذا لم يكن عقورًا (أي يعضّ) ، أو كَلَبًا (336) ، لأن العلماء قد أجمعوا على قتل هذين النوعين من الكلاب (337) ، وأجمعوا أيضًا على أن من اقتنى الكلب إعجابًا بصورته، أو للمفاخرة، فهو حرام بلا خلاف (338) .

وذهب ابن عبد البر إلى أن قول النبي صلى الله عليه و سلم: (ينقص من عمله) ، أي من أجر عمله، ما يشير إلى أن اتخاذه ليس بمحرم، لأن ما كان اتخاذه محرمًا امتنع اتخاذه على كل حال، سواء نقص الأجر أو لم ينقص، فدل ذلك على أن اتخاذه مكروه لا حرام.

قلت: هو محجوج بالإجماع.

وقال ابن حجر: (بأن ما ادعاه(ابن عبد البر) من عدم التحريم ليس بلازم، بل يحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط عما كان يعمله من الخير لو لم يتخذ الكلب، ويحتمل أن يكون حرامًا) (339) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت