وهذا المستوى الرفيع لا يتحقق إلا بالعبودية لله، وبالاستقامة على طريقة الشرع، وعندئذ يصبح داعية بسلوكه في بيئته، وسفيرًا للإسلام في مجتمعه، وكم من مجتمع أسلم أهله لما رأوه ولمسوه من مكارم أخلاق الدعاة، ومواقفهم الطيبة مع الآخرين، وبرهم بهم، وقسطهم إليهم، فلم يملكوا إلا أن أخضعوا عقولهم ومداركهم لما يحمله هؤلاء من عقيدة وفكر. وبهذا يتحقق المقصد الأسمى من خلق الناس، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب.
ولما كان سبحانه وتعالى وعد بإظهار دينه، وإدخاله كل بيت، بعز عزيز أو بذل ذليل، كان طبيعيًا أن يوجد مسلمون في ديار غيرهم، إما بحكم النشأة، أو الهجرة.
وهؤلاء المسلمون في الغالب أحد رجلين:
إما متشدد يعتزل أهل الملل الأخرى، ويعاملهم بغلظة، بل قد وصل الأمر إلى حد استباحة أموالهم.
وإما متساهل مع المخالفين إلى حد التوادد والرضا، بل والذوبان التام، وفقدان الشخصية الدينية.
ومن هنا جاءت هذه الدراسة، إسهامًا في جهود ترشيد الصحوة، ليستعيد المسلم دوره في الريادة، ولتكون شعلة تضيء الطريق، وتجعل المسلم على هدى ونور، معتمدًا فيها على نصوص الكتاب، وما صح من السنة، وإجماع الأمة، مسترشدًا بأقوال الصحابة، والتابعين، وأئمة المذاهب وغيرهم، مبتعدًا عن التعصب والتقليد لإمام بعينه، سائرًا مع الدليل حيث سار، لأن الله تعبدنا به دون سواه.
جاءت هذه الدراسة على فصلين، كل فصل حوى عدة مباحث، ومطالب، ومسائل، وفروع منتقاة، مما يتطلع المسلمون في ديار غير المسلمين إلى معرفته، لتصحيح سلوكهم مع مخالفيهم، وضبط تعاملهم مع غيرهم، بحكم الخلطة والجوار، على أساس قويم.
ولا يفوتني أن أنبه إلى أن هذه الأحكام إنما اختيرت من رسالة ضخمة (حوالي 700 صفحة) ، حوت الأحكام التي يفتقر إلى معرفتها المسلم في ديار المخالفين، في شتى مجالات الحياة، على وجه التفصيل.
وهي في الأصل رسالة علمية نلت بها درجة الماجستير من (كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية) في بيروت، في ربيع الأول من سنة 1415هـ، بعنوان: (الأحكام الشرعية لمسلمي البلاد غير الإسلامية) ، وهي قيد الطبع والنشر إن شاء الله.
وما تمَّ اختياره هنا من أحكام إنما كان ثمرة مناقشات ومحاورات مع عدد كبير من المختصين، الذين سبق أن أقاموا في ديار غير المسلمين لفترة طويلة.
والله ولي التوفيق.
خالد محمد عبد القادر
تقديم
بقلم: عمر عبيد حسنه
الحمد لله الذي جعل مقوم بناء الأمة المسلمة، آصرة الأخوة، فقال: (إنما المؤمنون إخوة ) (الحجرات: 10) ، وجعل المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، فقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) (التوبة: 71) .
وسما برابطة الإيمان على جميع روابط اللون، والجنس، والأرض، والعرق، والطبقة الاجتماعية، والجغرافيا...إلخ، قال تعالى: (قل إن كان إباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) (التوبة: 24)
وبذلك أصبح كل مسلم حيثما كان، عضوًا في أمة الإسلام العالمية، وأصبح بمقدور كل إنسان أن يختار هذا الدين، وبذلك يتمتع بالولاية الإسلامية أو بموالاة المسلمين جميعًا، أينما كانوا، كما يتمتع بحقوق الأخوة الإسلامية، الأمر الذي يحقق خلود هذا الدين وامتداده وعالميته، ويحول دون التعصب والانغلاق والتمييز بكل أشكاله.. ويجعل هذا الدين بخصائصه وقيمه ا لذاتية، مؤهلًا لقيادة العالم، والعطاء الحضاري والإنساني المستمر.. كما يجعل كل مسلم مسؤولًا عن حمل الأمانة، والقيام بمهمة الترقي الذاتي وأداء مسؤولية الدعوة والبلاغ المبين لهذا الدين.
والصلاة والسلام على من كانت سيرته وسنته تجسيدًا عمليًا لمبادئ الإسلام، وتحقيقًا واقعيًا لمجتمع الأخوة، نواة المجتمع الإسلامي العالمي الكبير، الذي ضم الفقير والغني، والأبيض والأسود، والعربي والعجمي، وبيَّن حقوق الأخوة الإسلامية، ليجيء المجتمع قويًا متماسكًا، يتحقق بالولاء والبراء، شعاره قول الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة ) ، وممارساته بيانُ الرسول صلى الله عليه و سلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذُلُه، ولا يَحْقِرُه، التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئٍ من الشر أن يَحْقِرَ أخاه المسلم، كُلُّ المسلم على المسلم حرام، دَمُهُ ومَالُهُ وعِرْضُه، ) (رواه مسلم عن أبي هريرة) . وقوله: (المسلمون تتكافأُ دِماؤهم، وهُم يدٌ على مَن سواهم، يسعى بذمَّتِهم أدناهم، ويُرَدُّ على أقصَاهم) (رواه ابن ماجه والنسائي وأحمد، من حديث ابن عباس) .