وقال الحنابلة: يركب المسلم دابته ويسير أمامه (217) .
قلت: إذا صح القول به في دار الإسلام -فيما إذا سلمنا به- فلا يصح أن يقولوا به في دار الكفر، حيث إن المسلمين هناك قليلون مستضعفون، وقد يصيبهم من جراء ذلك ضرر.
وقد قال ابن تيمية: (لو أن مسلمًا بدار حرب، أو بدار كفر غير حرب، لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر. بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية، من دعوتهم إلى الدين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة) (218) . أما إذا لم يترتب على ذلك ضرر فيتعين.
وقال ابن عباس: وما عليه لو اتبعها (219) .
فإذا كان في اتباع جنائزهم مصلحة دينية، أو درء مفسدة، فلا شك في جوازه، سواءً أكان الميت قريبًا أم بعيدًا، ويسلك المسلم عندئذ في تشييعها من حيث المشي أمامها أم خلفها ما يراه مناسبًا.
أما إذا لم يكن قريبًا، ولم تكن هناك مصلحة دينية مرجوة، أو دفع ضرر عن نفسه أو ماله، أو عياله، فذهب الحنفية والشافعية إلى صحة اتباع المسلم لجنازة الكافر (220) ، وذهب المالكية والحنابلة إلى خلاف ذلك.
ويمكن أن يُعزي أهله على ما أجازه الجمهور (221) . واستحبوا أن يقال في تعزية المسلم بالكافر: (أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك) .
وفي تعزية الكافر بالمسلم: (أحسن الله عزاءك وغفر لميتك) .
وفي تعزية الكافر بالكافر: (أخلف الله عليك) (222) .
ثامنًا: القيام لجنازة غير المسلم:
أما القيام لجنازة الكافر، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم قام لجنازة يهودي مرت به حتى توارت، وقام معه أصحابه.
فقال الصحابة: يا رسول الله! إنها يهودية. فقال: (إن الموت فَزَع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا) . وفي رواية أخرى: (أليست نفسًا) (223) .
قال بعض السلف: يجب القيام للجنازة إذا مرت.
وقال القرطبي: (ومعنى قول النبي صلى الله عليه و سلم:(إن الموت فزع) ، أي يفزع منه، إشارة إلى استعظامه.. ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت، لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت. فمن ثَمَّ يستوي فيه كون الميت مسلمًا أو غير مسلم؟)
وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها، ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال واللامبالاة.
وذهب جماعة من العلماء (224) إلى أن القيام مستحب غير واجب.
وعند المالكية جائز لا واجب.
وهناك مسألة: إذا مات كافر فشهد عدل بأنه أسلم قبل موته، ولم يشهد غيره، فهل يحكم بشهادته في توريث المسلم ومنع الكافر؟ وهل تقبل شهادته في الصلاة عليه؟
قال النووي في المجموع: لا خلاف أنه لا يحكم بشهادته في توريث قريبه المسلم وحرمان قريبه الكافر.
(وأما في الصلاة عليه فوجهان) (225) .
رجح القاضي حسين من الشافعية عدم قبولها في الصلاة عليه (226) .
قلت: صح أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرسل أصحابه ليبلّغ عنه القبائل والأصحاب في العقائد وغيرها.
وعليه فلا يصح أن يترك لمن شهد له مسلم عدل بأنه أسلم، للمخالفين ليجروا عليه ما يسمى (بمراسيم الدفن) على حسب دينهم.
-المطلب الثالث: الصيام
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في إثبات رؤية الهلال، وهل يصح الاعتماد على الحسابات الفلكية؟
نقل إلينا فقهاؤنا إجماع السلف على عدم الاعتبار بقول الحسّاب، والمؤقِّتين في الأهلّة، ووجوب اعتماد الرؤية البصرية لإثبات الأهلّة (227) ، لقول النبي صلى الله عليه و سلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) (228) . وقوله: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) (229) .
وقد أفتى المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في هذا المجال فقال: (يجب الاعتماد على الرؤية، ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد، مراعاةً للحديث:(صوموا لرؤيته) ، وللحقائق العلمية) (230) .
وذهب ابن الشخير من التابعين، والقرافي وابن الشاط من المالكية، والسبكي من الشافعية، وجماعة من العلماء المعاصرين (231) إلى القول بالحسابات الفلكية في إثبات الأهلة. وقالوا: (إن الحساب يفيد القطع، وإن الحكم باعتبار الرؤية معلل بأننا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وقد انتفى ذلك، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا) .
والذي أميل إليه بالنسبة للاعتماد على الحسابات الفلكية، أنه لا يعمل بها إذا تفردت، عملًا بالنصوص والحقائق العلمية التي أفادت أن اختلاف المطالع أمر مقرر.
ويرى الشيخ القرضاوي: (أنه يؤخذ بها في النفي، بأن نظل على إثبات الهلال بالرؤية، ولكن إذا نفى الحُسّاب إمكان الرؤية كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال) (232) .
وهنا تساؤل: هل يصح الاعتماد على الحسابات إذا كان الحُسّاب من الكافرين؟
تم الإجماع على عدم قبول شهادة المخالف في العبادات، والحاسب شاهد، فلو جاء كفار وشهدوا أمام المسلمين أنهم رأوا الهلال، فلا يُلتفت لشهادتهم، لأنهم ليسوا من أهل الرواية؟ ولأنهم لا يلتزمون الحكم (233) . وعلى ذلك فلا يقبل قولهم في الحساب.
تنبيه لابد منه: