فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 830

ولو حدث أن مُنع أولياء الميت من المسلمين من الصلاة عليه، وجب عليهم وجوبًا كفائيًا أن يصلوا على قبره، فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم: صلى على ميت وهو في قبره (202) ، ولم ينبشه.

وأما إن تركوا الصلاة عليه عمدًا فيأثموا جميعًا، للإجماع السابق.

ثالثًا: هل يصح الدفن في التابوت؟

أجمع الفقهاء على أن الدفن في التابوت مكروه (203) ، ولا يستعمل إلا في حالة العذر فقط (204) . واعتمدوا في ذلك على أنه لم يصح أن أحدًا في زمن النبي صلى الله عليه و سلم أو أن النبي نفسه قد دفن في تابوت، بل كانوا يوضعون على التراب، ولم يصح أن النبي صلى الله عليه و سلم رخص فيه أيضًا أو منع منه.

وقد أجاز الفقهاء اتخاذ التابوت إذا كانت التربة رخوة وغير متماسكة، أو كان جسد الميت مهترئًا بالاحتراق، أو مقطعًا، أو أشلاء بحيث لا يضبطه إلا الصندوق.

وقالوا: والسنة أن يفترش في التابوت التراب (205) .

وعليه فمن أجبرته سلطات بلاده (206) ، على أن يضع متوفاه في صندوق خشبي أو حديدي، فلا شيء في ذلك -إن شاء الله تعالى- للعذر، وإلا فلا يفعله.

رابعًا: هل يصح دفن مسلم في مقابر الكفار؟

اتفق الفقهاء على أنه لا يدفن مسلم بمقابر الكفار، ولا كافر في مقابر المسلمين، وإذا دفن أحدهما في مقبرة الآخر نبش وجوبًا ما لم يتغير (207) ، لأن الكفار يُعذبون في قبورهم، والمسلم يتأذى بمجاورتهم.

فإذا لم تكن في بعض البلاد التي يسكنها مسلمون مقابر خاصة بهم، فإنه يُنقل وجوبًا (208) إلى بلاد المسلمين، إن أمكن ذلك ماديًا وسمحت سلطات بلاد المسلمين، ولم يخف تغير جثة الميت، وإلا جاز دفنه في مقابر الكفار على أن يخصص للمسلمين جانب منها لهم، لا يشاركهم فيه غيرهم. فإن لم يمكن جاز دفنه للضرورة، وبه أفتى مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (209) . واقترح أحد أعضاء المجمع (210) أن تراعى عند دفنه في مقابر الكفار درجات الكفر، فمقابر النصارى عند الضرورة أولى من مقابر اليهود، ومقابر اليهود أولى من مقابر الوثنيين والملحدين، وهكذا.

خامسًا: هل يصح أن يحمل كافر في جنازة مسلم؟

لم يرد نهي في ذلك، والأولى ألا يسمح بذلك لأنها قربة من القرب العظيمة، إلا إذا احتيج لذلك قياسًا على قول الشافعي في جواز غسل الكفار للميت المسلم.

سادسًا: الصلاة على الغائب:

لو أن مسلمًا بدار الكفر توفي له مسلم قريب، أم صاحب، أم غير ذلك (في بلد آخر) فهل يصح أن يصلي عليه صلاة الغائب ويصلي معه المسلمون؟

ذهب الجمهور إلى جواز ذ لك، مستدلين بصلاة النبي عليه الصلاة والسلام على النجاشي ومعه المسلمون (211) . وقالوا: لا دليل على أن ذلك خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام.

وذهب الحنفية والمالكية إلى أنها لا تشرع.

وقال الخطابي: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه (212) .

وقال العيني: (إذا مات المسلم في بلد من البلدان وقد قضى حقه من الصلاة عليه، فإنه لا يُصلي عليه من كان ببلد آخر غائبًا عنه، فإن علم أنه لم يصلَّ عليه لعائق أو مانع عذر، كان السنة أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة، فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة لا جهة بلد الميت) (213) .

قلت: والراجح هو قول الجمهور، لفعل النبي صلى الله عليه و سلم الدال على مشروعيتها، وما أضيف من قيود على جوازها لا يصح، إذ لو كان الأمر كما قالوا لما أخّره النبي عليه الصلاة والسلام ولبيّنه للناس.

سابعًا: في بعض أحكام الميت الكافر ومدى علاقة المسلم بها:

وصورة هذه الجزئية: لو توفي كافر وهو جار لمسلم أو قريب له.. فهل يجب عليه أن يغسله ويكفنه، أم هل يجوز ذلك ويصح منه؟ وما حكم تشييع جنازته؟ وتعزية أهله؟

أجمع الفقهاء على أنه تحرم الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة، لكفره (214) ، ولأنه لا تقبل فيه شفاعة ولا يستجاب فيه دعاء، وقد نهينا عن الاستغفار له، لقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) (التوبة: 84) .

والذي نطمئن إليه، أن الكافر البعيد إذا لم يكن له مَن يقوم بأمره من الكفار، للمسلمين غسله وتكفينه، ودفنه، ومواراته.. أما الكافر القريب، فللمسلم غسله وتكفينه ودفنه، وجد من يقوم بذلك أو لم يوجد، من باب صلة الرحم، ومراعاةً لمشاعر القرابة، إذ لا نص يمنع من ذلك. وخاصة إذا كان مسالمًا غير حربي، بل لقد صح أن عليًّا غسل أباه ودفنه بإذن من النبي (215) عليه الصلاة والسلام.. أما الغريب فالأولى والأسلم للمسلم أن ينأى عن ذلك، إلا إذا كانت هناك مصلحة شرعية، أو لم يكن من يقوم من الكفار بذلك، احترامًا لإنسانيته.

فقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام قد كفّن عبد الله بن أُبَيِّ ابن سلول (رأس الكفر والنفاق) ، بناءً على طلب ولده عبد الله (216) .

قيل: إن النبي صلى الله عليه و سلم فعل ذلك تطييبًا لقلب ولده، وإكرامًا له (وهو صحابي) .

أما اتباع جنازة غير المسلم، فإن كان قريبًا وليس له مَن يقوم فيه، اتفقوا على أن للمسلم تشييع جنازته واتباعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت