فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 830

ولا زال عمل السلف على هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيميه:"ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصحلة فعلها ـ المستحبات ـ كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب" (8)

فإذا كان هذا لتأليف القلوب فهو من باب أولى وأوجب فيما إذا كان العمل بالراجح سيؤدي إلى تشتيت الصف وضعف القوة ولا زال الراسخون في العلم يقررون هذا المعنى يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في مسألة ثبوت شهر رمضان إن الناس فيه تبع للإمام وإن اختلفت مطالعهم جمعًا للكلمة وتوحيدًا للصف, في حين يقرر في نفس الموضع أن الراجح علميًا أن ثبوت الشهر يختلف باختلاف المطالع (9)

كما أن القاعدة عند العلماء أنه إذا تزاحمت المصالح قدم الأعظم منهما (10) ولا شك أن مصلحة اجتماع الكلمة ووحدة الصف أعظم من العمل برأي مرجوح ـ فيما يسوغ فيه الاجتهاد ـ0

إن عدم فقه هذا المعنى هو الذي شرذم العمل الإسلامي حتى إنك لترى جماعات ومراكز تشتت جهودها وتفرقت راياتها وضعفت قوتها بسبب الموقف من قضية اجتهادية وكان يسعها أن تعمل معًا فتحقق النصر أو تعمل بأسبابه

فمتى يدرك الدعاة والتجمعات الإسلامية هذا المعنى ناهيك عما يقتضيه فقه المرحلة (11) مما هو أوسع من العمل بهذا وأشمل .

اللهم ألهمنا رشدنا واهدنا سبل السلام وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (1) نظرات في منهج العمل الإسلامي ( جعفر الشيخ إدريس ص:74 )

(2) - الأنفال 46

(3) انظر محاسن التأويل 8/71 والتحرير والتنوير 10/32

(4) مسلم كتاب الجهاد و السير رقم [1733]

(5) انظر فقه الاختلاف ( جما ل سلطا ن ص: 22)

(6) البخاري / كتاب اعتصام بالكتاب والسنة / باب كراهية الاختلاف حديث رقم 7364

(7) أبو داود 1958 وصححه الألباني صحيح أبي داود 1726 وأصل الحديث في البخاري

(8) الفتاوى 22/405

(9) انظر الممتع شرح زاد المستقنع 6/320-322

(10) الموافقات 4/105-106

(11) وسيكون موضوع الحلقة الثالثة من مفاهيم تهم المغترب إن شاء الله تعالى ==============

(الحلقة الثالثة)

فقه المرحلة

عبد الرزاق الكندي 2/3/1423

الحمد لله وحده .. والصلاة والسلام على رسول الله .

أما بعد: فقد تحدثنا في الحلقتين الماضيتين عن وحدة الكلمة ،وعن مفهوم التعاون فيما اختلفنا فيه،واليوم نواصل الحديث عن فقه المرحلة.

فقه المرحلة

معنى المصطلح:

إن مصطلح فقه المرحلة ليس بدعًا من القول فالمراد بالفقه الفهم والفطنة لغة,والفهم لأحكام الشرع العلمية والعملية وهو المراد بالفقه في النصوص الشرعية .

وأما المرحلة فأصلها المسافة التي يقطعها الراحل - المسافر - بالإبل المحملة في يوم وليلة ، ومعلوم أن ذلك يختلف باختلاف طبيعة المكان الذي يسير فيه فالمسافة التي يقطعها في السهل غير التي يقطعها في الجبال والهضاب- بنفس الزمن- كما أن لكل مرحلة ركوبها وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلىالله عليه وسلم حين دفع من عرفات كان يسير العنق -والعنق المشي برفق-فإذا وجد فجوة نص- أي سار سيرًا شديدًا- (1) والمراد بالمرحلة في المصطلح طبيعة الوضع الذي يعيشه الداعية في زمان أو مكان ما .

شرعية المصطلح:-

من المعلوم أن الدعاة إلى الله يقطعون المراحل المختلفة وكل مرحلة تحتاج إلى فقه خاص في حاجياتها وترتيب أولوياتها وطريقة السير ووسائله فلابد من إدراك أن ما لا يجوز في مرحلة قد يجوز في أخرى والعكس .

وقد دلت النصوص الشرعية على فقه المرحلة - أي أنّ لكل مرحلة وضعًا خاصًا منح الشارع المكلف فيه مرونة في التعامل معه- فمن ذلك ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى أن تقطع الأيدي في الغزاة (2) .وقد كتب عمر-رضي الله عنه-إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولاسرية رجلًا من المسلمين حدًا وهو غازٍ,حتى يقطع الدرب قافلًا,لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار (3) .ومع أن القطع من الحدود التي لا يتساهل الشارع في إقامتها لكن الظرف الذي تعيشه الجماعة المسلمة في الحرب فيه من الإشكالية ما جعل تأخير إقامة الحد خشية الفتنة واللحاق بالعدو أمرًا مشروعًا,فأعطى الشارع المحارب حصانة فترة الحرب حتى تنتهي ويرجع إلى دار الاسلام0

ومما يدل على شرعية المصطلح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أبا دجانة يختال في مشيته بين الصفين يوم أحد قال إنها مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع (4) , وهذا يدل على تقدير النبي صلى الله عليه وسلم لحساسية الموقف وأن للظروف الخاصة فقهها الخاص, وفي قصة قتل كعب بن الأشرف دلالة أخرى على شرعية المصطلح فقد روى البخاري ومسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله ، فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال: نعم قال: فأذن لي أن أقول شيئًا, قال: قل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت